يوتوبيا الاندماج في رواية «الصدمة» للجزائري ياسمينة خضرا

حجم الخط
0

يوجد بجانب كل قضية إنسانية إرث أدبي يُمثلها ويصور مراحل تطورها ومنعرجاتها، فالأدبُ ينقلُ إليك أكثر من أي وسيط تعبيرى آخر أبعاداً تراجيدية ثاوية في القضايا الإنسانية ويعكسُ في الوقت ذاته رؤى صاحب القضية، لما يعتبرهُ أسساً لبناء مرحلة جديدة، قد واكبت الأعمال الأدبية القضية الفلسطينية منذ بدايتها، وجُلَ ما سُمي بأدب المقاومة كان ينهل مادتهُ من واقع ما بعد ظهور كيان دخيل.
نادرا ما ترى عملاً قد خرجَ من طابع شعارات مُعتادة وحاول معالجة محنة الفلسطينيين على مستوى أعمق، إذ كلما كانت المقاربةُ شاملةً تزدادُ قدرة على الفعل الإقناعي، واستيفاء الدلالات الإنسانية الحاضرة في كل البيئات والعصور المتعاقبة. يتبدى لك بأن الكاتب الجزائري ياسمينة خضرا (محمد مولسهول) قد رسمَ هذا الأمر هدفاً حين شرعَ في كتابةِ روايته «الصدمة» المترجمة من الفرنسية دار الفارابي، التي تدور حول ما يعيشه الشعبُ الفلسطيني من المحن المتراكمة على مر العقود، حيثُ يستند عمله إلى مشاهد وحوارات موحية بالأسئلة التي تأخذ بتلابيب المتلقي على مدار الرواية، كما يعتمدُ على وجود التعارض بين وجهات النظر المتضادة، لكي يحفظَ العمل بعناصره الدرامية الحاثة على مُتابعة الوحدات الحكائية المُتوالية، يفتتحُ صاحب «مكر الكلمات» عمله بمشهد مماثل لاستهلالية بعض الأفلام السينمائية بحيثُ يدركُ المتلقي ترابطاً وثيقاً بين قصدية العنوان ومضامين الرواية. إذ يجدُ البطلُ نفسه واقعا في حالة برزخية تتموج في ذهنه صور الماضي ممتزجة بسريالية الحاضر، إذ تتطاير أطراف الإنسان ويسود الهلع إثر استهداف رجلِ لا نتبين موقعه حتى آخر الرواية.

فقدان البوصلة

مع تقليص المسافات بفعل وسائل جديدة قد تصاعدت موجات الهجرة بين المُجتمعات لدوافع وأسباب مُتَعَددة، وذلك الأمر حمَّل المختصين على التفكير في مسألة الاندماج الثقافي وشروط نجاحها بالنسبة لمن يكون مًغايراً في تكوينه الاجتماعي لبيئات جديدة، هنا يتناولُ صاحب «القريبة كاف» فرضية الاندماج داخل مجتمع ليس مختلفاً فقط في تقاليده وشعائره الدينية مع معتقداتك، بل بُني على حساب حقوقك بإنشاء كيان مستقل، كما أن وجوده سبب لك المشكلات على الأصعدة الثقافية والإنسانية والهوياتية، إذ يعيش (أمين) بطل رواية «الصدمة» في تل أبيب وهو فلسطيني يحملُ الجنسية الإسرائيلية، حقق إنجازات مشهودة له في مجاله كطبيب جراح، رغم وجود منغضات من الحاسدين والمتعصبين، الذين لا يروق لهم تفوقه وشهرته. ينعمُ أمين بحياة مُترفة يقيم في أرقى مناطق تل أبيب ويختلط بالطبقة الأُرستقراطية، لذلك يريدُ أن يظل بعيداً عن مآزق السياسة ولا يخسر فرصة حياته بالدخول في معترك الصراعات، لكن ما يتجاهله أمين سيفاجئه في حصنه ويكون له وقع الصدمة، ويستعيد معها القدرة على رؤية الصورة بأكملها، حيثُ يكتشفُ بعد يوم شاق في المستشفى وانهماكه في إجراء سلسلة من العمليات للجرحى والمصابين جراء انفجار في أحد مطاعم تل أبيب، بأنَّ زوجته سهام هي التي نفذت العملية، من هنا يتحول الطبيب إلى شخص منبوذ ويبدأ المارة بلصق مقاطع من الصُحف التي أفردت مساحة لخبر الانفجار على جدران بيته، بل تُسْتباحُ كل أغراضه المنزلية ويُحتجز لمدة ثلاثة أيام خاضعاً لتحقيقات مُضنية، فهو لا يُصدق حقيقة هذا الخبر، بل يكرر بأنَّ سهام راحتْ ضحية كغيرها من الذين صادف وجودهم لحظة وقوع الانفجار داخل المطعم، لكن إنكار أمين لا يستمرُ عندما تصله رسالة من مدينة جنين، تضعه أمام الحقيقة المُرة، بأنَّ سهام هي وراء العملية. من هنا تتعمق أزمة أمين ويشدُ رحاله إلى جنين ليقفَ على دوافع هذا القرار، ومن ثُم ينفتحُ على الجذور المنسية من جديد.

إعادة التأقلم

يعود أمين إلى تل أبيب عقب لقائه بأقاربه في جنين، من دون أن تكلل محاولاته لفهم قرار زوجته بالتخلي عن سعادتها واختيارها الموت، إذ يبداُ بترتيب بيته وتصليح ما خربه المحتجون وهذا يشي برغبة أمين في ترميم علاقاته مع مُحيطه الخارجي، خصوصا أن هناك من لم ينقطع عنه في مِحنته. كيم وهي طبيبة قد عانت مرارة الفراق عن حبيبها قد مدت له اليد. خففت عنه هول الصدمة وصاحبها في زيارة إلى جدها، وهو من الذين نجوا من الهولوكوست. مع أن الأخير وعد بعدم سرد قصته ويتوقف عن ذكر ما قاساه اليهودُ في ظل النازية، لكنه يُعْلنُ عن عجزه في الالتزام بهذا الوعد. لذلك يعرض ذكرياته لأمين رغم معارضة كيم. هنا يتقاطع في ذهن المتلقي واقع الشعب الفلسطيني المأساوي مع ما عاشه اليهودُ من الظروف القاسية في البلدان الأوروبية. لا تنتهي آثار ما حصل لأمين عند هذا الحدِ، بل رأسه يطن بأسئلة لا يجد لها جوابا، وشبح زوجته يلاحقه في كل مكان وهو يتفقدُ البيت وغرفتهما، يستعيدُ تفاصيل ذكرياتهما مع بعض إلى أن تقع عيناه على صورة سهام مع قريبه عادل، هنا يبدأُ فصل جديد من رحلة الآلام، حيث يُضاف إلى حزن غياب الزوجة والمركز الاجتماعي القلق والحزن حول علاقة عادل بزوجته. وبذلك وفق في الجمع بين ثيمات عديدة في سياق الرواية. ما يدرأُ الشعور بالرتابة لدى القارئ وذلك عبر إسناد السرد بمزيد من عناصر التشويق.

الجدار

ترفع الغشاوة عن عين البطل وهو في طريقه إلى ما وراء الجدار العازل، حيث يكتشف ما تغافل عنه، لكن وجوده غير مرغوب فيه عند بني قومه، إذ تعتبره الفصائل الفلسطينية مدسوساً من قبل المخابرات الإسرائيلية تتبعُ من خلاله الشخصيات القيادية. هكذا تتفاقم أزمات (أمين) إذ يتحول إلى كائن مسلوخ من الهوية والانتماء. وما يدعم هذه الصورة أكثر هو قراره بأن يقيم في فندق ويترك بيته داخل تل أبيب، كما هو يقيم في فندق في جنين بدلاً من أن ينزل عند أهله. هنا تتساوى الأمكنة بالنسبة إليه، ويكابدُ حالة الاغتراب الروحي والكياني، لجأ الكاتب إلى أسلوب التقابل المكاني لعرض صورتين، الأولى للفلسطينيين المُحاصرين وتهددهم آلة الهدم، الثانية للمجتمع الإسرائيلي المنعم بالرفاهية، كما يوظف ياسمينة خضرا صورا فنية لتصوير انفعالات الشخصية الأساسية مع الأمكنة، حيث ترى أمينَ مـتأملاً في قدسية المكان وهو بجوار المسجد الأقصى، ما يضفي بعداً جمالياً إلى بنيان النص، بجانب ذلك يستفيد الكاتب من تقنية الوصف الخارجي الذي يعتمل في الأعماق، وفق صاحب «خرفان المولى» في إيداع طاقة عمله داخل الصفحات الأخيرة، قبل أن يعود بك إلى المشهد الاستهلالي، حيث يدرك أمين طبيعة العلاقة بين سهام وعادل، كما يكون شاهداً على الأسباب التي تجعل الموت مطمحاَ، إذ يُهدمُ منزل عمه، وذلك يُقهر ابنة الأخير ويعبئها بالغضب، هنا يمحو الوطن الوهمي في ذهن أمين ويتآلف مع فلسطين بكل آلامها، ويحتشدُ النص بالخطابات المُتباينة ينفتح عليها المتلقي حسب حالة التموقع المكاني للبطل، بما يضع هذا المؤَلفَ ضمن روايات بوليفنية، كما كُفِل الراوي المشارك بِمتابعة الأحداث وهو لا يتفوق على الشخصيات الأخرى معرفة، إضافة إلى ذلك فالعمل محبوك بالتماسك مُضَفرة مفاصله بالإتقان.

٭ كاتب عراقي

يوتوبيا الاندماج في رواية «الصدمة» للجزائري ياسمينة خضرا

كه يلان محمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية