حين خسرنا حيّزنا العام في عمان

حجم الخط
0

عمان – فراس حمدان : قبل عشر سنوات عندما أتيت إلى عمّان لأبدأ دراستي الجامعية، شدّني صوت الأذان الموحد لجوامع المدينة. هذه المدينة الفتية ذات الهوية المختلطة والتغيرات الراديكالية، الأصوات بها موحّدة وموجّهة كما هي مهيمنة ومشرّعة أيضاً. تعطيك كما شكل التوسع الحضري بها أو شوارعها وعماراتها إحساسا بأن نوعا من النظام الميكانيكي يحرك الحياة في أحياء المدينة ذات الخصائص المتناقضة.
أذكر أن عمي برر لي توحيد صوت الأذان، كي لا تختلف تجربة الأذان لأي شخص في المدينه أينما كان. وأن بعضا من المؤذنين في الجوامع لا يملكون موهبة الأذان صوتاً أو أداء. هنا تظهر الصورة بشكل أوضح. مدينتنا التي يكاد الحيز العام فيها أن يكون مشوها وغير واضح المعالم لا تسمح لأهاليها بخوض التجارب أو الإنفراد حتى ولو نشازاً، بصوت يخرج عن لحن رتيب ألِفه أهالي المدينة متحاشين صداماً مع الآخر.
عمّان المدينة التي تحمل داخلها مدينتين، مدينتين لا تفصلهما حدود ملمومسة واضحة بل تشعر بها من شكل الأرصفة في الأحياء المختلفة أو واجهات البيوت التي تخلو من حبال الغسيل أو الكتابات في غربها الراقي وإلتصاق المباني ذات الطوابق الأربعة في شرقها الأقل حظاً.
فهنا في عمّان الحيزالخاص، يهيمن على طبيعة الحياة الإجتماعية. إنعكاس واضح لخصخصة المدينة على أوجه مختلفة. حيث أن إسم مدرستك يعطي ملخصا عن هويتك الثقافية وتسريحة شعرك أو قميصك قد تعكس طبقتك الإجتماعية. فالشباب الذكور مثلاً يمنعون من دخول بعض المجمعات التجارية ذات البوابات الإلكترونية محكمة السيطرة. حتى شوارع المدينة الرئيسية قد تشهد مشاهد سوريالية على دواويرها الممتدة ومختلفة الأسماء. عندما يتذمر رواد المطاعم والبارات الفخمة من تجمع أبناء الأحياء الشرقية على الدواوير في أيام نهاية الأسبوع أو الأعياد ممارسين حقهم في حيّز المدينة العام. فتلك الدقائق هي التي تجمع من ينتمون لفقاعات إجتماعية مختلفة في مكان واحد ولكن بحضور مختلف وحالات متناقضة تعبر عن إختلاف كل منهم.
هيمنة السيارة على نمط تنقل سكان المدينة الذين إعتادوا الحركة في كبسولاتهم الخاصة داخل فقاعاتهم الإجتماعية دون الحاجة للإختلاط أو فرصة الإستماع لحوار رجلين عجوزين في طريقهما إلى المسجد عصراً. خلقت صورة مشوهة. في اليوم الإعتيادي للشخص العمّاني عن مفهوم العام، في التنقل والدراسة والتسوق ومختلف أنماط الحياة. ففي هذه المدينة هناك أشخاص لم يركبوا باصا للموصلات العامة منذ عشر سنوات لأنهم لم يلمحوه مارا من أمام مدارسهم أو مكاتبهم أو في شوارعهم الرئيسية.
إذن الشوارع في عمّان تعزز الفصل والإقصاء بين أهالي المدينة. شوارع المدينة بتفاصيلها وعناصرها المختلفة، حتى إستخداماتها تعطي نوعا من أنواع التمييز والخصوصية لكل حي من الأحياء، أو حتى بين شوارع الحي ذاته. فسيارة بيع الغاز ذات الموسيقى الموحدة يندر صوتها في الأحياء ذات البيوت المنفصلة بحدائقها مقلّمة الأشجار التي تعزل صوت الشارع الذي لا يشهد أشكالا مختلفة من الإستعمالات، فيأتي صوته معدوما رتيباً، فلا أولاد يلعبون ولا باعة متجولون يستغلون ما تبقى من أرصفة المدينة معرضا لبضاعتهم أو خضراواتهم الطازجة.
تبعاً، فإن هوية الحيّز العام في المدينة غير واضحة، والمساحات العامة في المدينة تكاد تكون معدومة. ولكن ما هو العام؟ وما هي المساحة العامة؟ أليس المسرح عاماً؟ والإذاعة عاماً؟ والمدارس عاماً؟ وموقف الباص عاماً؟ وصوت المدينة يعتبر عاماً أيضاً.
كغيره من مكونات الحيز العام للمدينة. فإن للصوت في عمّان سمات الإقصاء الممنهج للمختلف أو الآخر فصوت الأذان وهو تقريبا الصوت الوحيد الذي يجمع الأحياء العمّانية المختلفة. ولكن، من قال أن طبيعة صوت الأذان الموحد متشابهة؟. فالصوت المنبعث من سماعات حديثة الصنع يشبه طبيعة اصوات الجوامع القديمة، ذات الوت العتيق التي ربما استعملت من قبل سيارات تبيع الخردة او في أعراس أهالي الحي؟
ومع سياسات الهيّمنة على الأصوات، تمثل دواوير وميادين المدينة خطابا حياً على حسم أحقّية الصوت في تلك الفضاءات. فمع تسّوير الدوار الرابع الذي يقع على محور الفصل الرئيسي بين أحياء شرق المدينة وغربها، مجاورا مبنى رئاسة الوزراء رابطا طريق المطار بوسط المدينة عبر أحد رموز الخصخصة في البنية التحيتة، جسر كمال الشاعر أو ما يسمى بجسر عبدون المعلق. هذا الدوّار الذي شهد إعتصامات مختلفة مع بداية التحركات في الشارع الأردني يحيط به الآن سور حديدي ليمنع أي نوع من التجمّعات المدنية فيه، ليحد أصواتاً عبّرت عن تعددية شكك بعضنا بوجودها.
وكالدوار الرابع، يأتي ميدان جمال عبدالناصر، أو دوار الداخلية أيضا كشاهد على محاولة إقصاء الصوت المختلف الخارج عن نمط المألوف بإضافة أحواض زراعية لغايات التجميل، لم تزرع حتى الآن .. ولكن كانت كفيلة بإبعاد المتظاهرين عن هذه المساحة العامة والتي هي في الأساس ملك لهم.
أصوات السيارات والأغاني المنبعثة من المقاهي السياحية أو الأحياء الصامتة في ساعات المساء تمثل جزءا أساسيا في هوية المدينة وخصائصها وعملية البحث لإدراكها هي تبعا محاولات لفهم خطاب السيطرة أو الإقصاء ولمفاهيم السلوك الجماعي المقبول ممثلة بعناصرها العامة المختلفة عاكسة أسئلة عن هويتها الثقافية كما الملكيّة الجمعية لفضاءات المدينة.

حين خسرنا حيّزنا العام في عمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية