الأردن والتحدي«المالي»: فلسفة «الجباية» لا تكفي والحلول مرهونة بـ«مشاريع سياسية» في الشرق والغرب والشمال

عمان ـ «القدس العربي»: يبدو مجددا أن الرابط بين المشكلة الاقتصادية والمالية في الأردن والغرض السياسي يقفز فوق مستوى اللحظة الراهنة لصالح مواجهة حقيقة مؤلمة، لكن أهم ما فيها الاقرار بها وفكرتها البحث في الدور السياسي دون الغرق في أجندة سياسية إقليمية.
التجربة عندما يتعلق الأمر بمستوى وحجم مشكلات الاقتصاد الأردني المالية تثبت ان الحاجة باتت ملحة ليس فقط لقواعد عمل جديدة في الافق السياسي والإقليمي ولكن للقبول أكثر بالكلف الناتجة عن تقلص الدور الأمني الإقليمي، وعن الشراكة السياسية وأحيانا الأمنية مع الأقوياء في الجوار وتحديدا الذين يملكون المال والقدرة الاقتصادية.
اللحظة التي اعترف فيها رئيس الوزراء الدكتور عبد الله النسور قبل نحو أربعة اشهر علنا بفلسفته في الإدارة المالية على أساس منهجية الجباية، كانت لحظة فارقة في تاريخ الأزمة الاقتصادية الأردنية، لان الاقرار بشفافية بمنهجية الجباية يعني الاستعداد لاحقا للإقرار الرسمي العلني وبشفافية أيضا بالحاجة الملحة لمشروع سياسي يساعد في اخراج الاقتصاد الأردني من عمق الزجاجة حتى يبقى في الحد الادنى سعر الدينار بقوته الحالية.
لا يميل المسؤولون في الأردن للتحدث بصراحة عن محور العلاقة الحساس بين المال والقرار السياسي، مع الايمان المطلق بان الأردن جزء من المنطقة والعالم في كل الأحوال، ويشارك الجميع المشكلات والتحديات وتصورات بناء المستقبل.
ولكن بدا ان رئيس الوزراء النسور يمكنه ان يميل لخطاب تمهيدي للرأي العام يبدأ بقول الحقائق كما هي وهو ما تبعه خطوات مماثلة من شخصيات وطنية متعددة. النسور بدأ الافصاحات الشفافة باعترافه العلني قبل أشهر أمام البرلمانيين بان اسلوب الجباية للضرائب والرسوم الذي ينتقده الشارع والكثير من النخب كان منتجا في الحفاظ على واردات الخزينة وبالتالي ساهم في الاستقرار الاجتماعي والأمني في الأردن.
يسجل عضو البرلمان خليل عطية ان النسور قد يكون أول رئيس حكومة تحدث بصراحة مفلسفا الجباية وهو يؤذي بسياساته الفقراء.
مفردة «جباية» كانت في الماضي سلبية جدا عندما تقال في وجه أي مسؤول، والدولة لم تكن تقر بها اطلاقا ولم تكن تحبها.
اليوم نجح النسور في تسريب هذه المفردة اصطلاحا ومفهوما، فأصبحت الجباية في النتيجة وفي رأي الحكومة هي التقنية التي حافظت على استقرار البلاد داخليا على الأقل رغم ارتفاع المديونية الخارجية خلال السنوات الأربع الماضية.
قبل ذلك كان النسور قد شرح أمام «القدس العربي» حجم التحديات التي واجهها عندما كلف بتشكيل حكومته، خصوصا في وضع الخزينة ومالية الدولة.
المعنى في كلام الحكومة في السياق ان الجباية والتي يشتكي الشارع منها وتلقى كتهمة يوميا في وجه رئيس الوزراء ساهمت وفي رأي السلطات في إدامة الرواتب، وتمكين الدولة من تقديم خدمات الصحة والتعليم والطرق والماء والكهرباء.
السؤال الذي يطرحه مختصون الآن كالتالي: هل يمكن للجباية إذا استمرت وتضاعفت ان تساعد فعلا في معالجة التحديات الاقتصادية الرئيسية والتخفيف من المديونية؟
الجواب بالنفي دوما. لان الرهان على الجباية فقط والاعتماد عليها يعالج مشكلات محددة في الانفاق الحكومي وادامته، لكنه لا يقود للنمو الاقتصادي ولا يخفض حجم المديونية ولا يلغي الحاجة للاعتماد على المساعدات ولا يخفف من كلفة فاتورة الطاقة والنفط وبالتالي من الأسعار. من هنا تضاعفت الافصاحات المالية المتعلقة بالملف الاقتصادي فطالب رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي بالتوقف عن الحديث بتخفيض المديونية لأنها ببساطة لن تنخفض بالتوازي مع اقتراحه بالتركيز على توسيع الاقتصاد وبالنتيجة مضاعفة النمو الاقتصادي حتى تتخفف تأثيرات المديونية الخارجية.
ومن هنا أيضا تصدر الرئيس الأسبق والمخضرم عبد الكريم الكباريتي وهو أحد أبرز خبراء المالية في العقود الأخيرة في الأردن لمهمة الحديث في الوقائع أيضا عندما قال علنا ان بلاده ينبغي ان تتوقف عن الاعتماد على المساعدات الخليجية، وان أولويات الخليج قد لا تكون مساعدة الأردن وان الحدود الأردنية مع سوريا والعراق تحكمها اليوم إيران.
عليه تتنامى سياسة الافصاح المالي والاقتصادي في الأردن وتتكاثر على نحو مفاجئ مبادرات التحدث للناس وكشف الوقائع أمام الرأي العام. ذلك يحصل لسبب على الأرجح سياسي بامتياز، لان دوائر صنع القرار تبدو مهيأة تحت وطأة الضغط المالي والاقتصادي للتفاعل مع الكلف السياسية الناتجة عن ليس محاولة طلب المساعدة من الحلفاء والاشقاء، ولكن عن التعاطي مع اتجاهات اليوم السياسية في المسار الإقليمي. وهنا أيضا تبدو المؤسسة الأردنية مسرعة وهي تؤسس لتحولات في الإدارة الاقتصادية من الواضح تماما ان الوقوف على محطتها أصبح إجباريا.
أهم هذه التحولات قد يكون له علاقة بمشاريع سياسية لدول قوية وثرية في الجوار وفي العالم، الأمر الذي يفسر الانفتاح السريع على وعد المليارات الاستثمارية السعودية كما يفسر جرأة الأردن في تجاهل كل ملاحظات بعض الحلفاء الدوليين فيما يتعلق بالاستثمار في مجال اليورانيوم وبصورة قد تزعج أو لا ترضي بعض الأطراف في الولايات المتحدة إو إسرائيل.
التحولات نفسها لا تقف عند هذه الحدود، فالإدارة الأردنية الاقتصادية ولأول مرة في حياتها المعاصرة تتجه نحو قفزة كبيرة في تجاوز وتجاهل الأنماط الإدارية السابقة المألوفة، ويعبر عن ذلك بوضوح مشروع صندوق الاستثمار الأردني السيادي المنوي تأسيسه، وهو صندوق يجدد وينوع ويطور في مجال السيادة ويعيد تفسيرها في بعض المحطات.
الأردن في حالة استعداد مرة للاستماع ومرة أخرى للنقاش تحت وطأة الحاجة للمال والاستثمار عندما يتعلق الأمر بمشاريع عابرة للمحلية والوطنية وذات بعد اقليمي، أو ترتبط بأجندات اقليمية على أعتاب ما يسمى بالتحليل السياسي بمناخ الصفقة الكبرى للتسوية في المنطقة.
الأردن بهذا المعنى منفتح على تنازلات كان يرفضها في الماضي، وأدوار يستطيع تجنبها أيضا في الماضي ولها علاقة بالقضايا الأساسية في الجوار وأبرزها القضية الفلسطينية وما يحصل غرب العراق وبالتالي شرق الأردن وجنوب سوريا وبالنتيجة شمال الأردن.
ثمة أدوار مفترضة في الشمال والشرق والغرب لمشاريع سياسية تتحفز حاليا لالتقاط اللحظة الراهنة في الأردن، وعنوانها تسهيلات غير مسبوقة أو كانت مرفوضة وبالتأكيد لا تتميز بأي شعبية ولها علاقة مجددا بمناخ التسوية الشاملة وبأفكار ومقترحات ومشاريع تنتجها الآلة الأمريكية وأخرى تنتجها الآلة الإسرائيلية فيما تنتج بعضها اليوم الماكينة السعودية.

الأردن والتحدي«المالي»: فلسفة «الجباية» لا تكفي والحلول مرهونة بـ«مشاريع سياسية» في الشرق والغرب والشمال

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية