بمعيّة زينة دكاش المتفائلة أبداً: ممثلون في سجن رومية اللبناني يبثون الأمل

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: أن يُصرّح سجين في مأوى احترازي ـ بحسب التعريف القانوني ـ عندما يُسأل عن زمن مكوثه في السجن «يمكن 84 سنة» ويحدد عمره «يمكن 130 أو 140 سنة» ويفصح آخر عن مشاريعه للمستقبل بإيجار منزل في بيروت من مدخراته التي تبلغ «4 آلاف ليرة لبنانية» فهذا يبعث لرد فعل مباشر بأن المعنيين بالتشريع والأحكام في لبنان هم من يحتاجون لـ»مأوى إحترازي».
هو بعض من مأساة بفصول متعددة رواها وجسدها سجناء أصحاء في سجن رومية في مسرحية «جوهر في مهب الريح» التي قُدمت في عرضها الختامي يوم 25 الجاري، بعد أربع سبقتها بدأت في 11 منه. فإن كانت السجون في لبنان تخفي خلف جدرانها انتهاكات لحقوق الانسان، مدعومة أحياناً بالقانون الجائر، أو ذاك الذي تجمد عند حدود العصر الحجري، فالمعنيون بهذا العرض المسرحي «سكان المبنى الأزرق» المسمى زوراً «مأوى احترازي» يشكلون وصمة عار على جبين التشريع. ففي هذا المبنى يرزح عشرات السجناء الذين صدرت بحقهم أحكام انطلاقاً من كونهم مرضى نفسيون أو عقليون. وهذه الأحكام تقول بالسجن الاحترازي إلى حين الشفاء. هو قانون من مواليد عام 1943، ومن حينها حتى اللحظة خضع علم النفس لـ»غوغلة» نظرياته مرّات لا تُحصى، والتشريع اللبناني في نوم عميق.
«جوهر في مهب الريح» عرض نتج عن جهد أشهر من البحث والعمل والتدريب تولاه مركز كتارسيس الذي أسسته في لبنان الفنانة زينة دكاش سنة 2007 ويعمل على العلاج بالدراما مع الفئات المهمشة في المجتمع، وكل من يرغب ولفئات عمرية مختلفة. هو العرض المسرحي الثاني في سجن رومية بعد «12 لبناني غاضب» سنة 2009، والتي سجلت خرقاً مفاجئاً لأسوار السجون في لبنان. «جوهر» عرض تواصل مع سابقه، فالذكرى نافعة خاصة مع ذوي الأحكام المؤبدة. «يوسف ش»، وجه ترك بصمة لدى مشاهدي «12 لبناني غاضب»، رجل أنيق الإطلالة، واثق الكلام. شكل الإطلالة الأولى على خشبة العرض الجديد، يقف في الوسط. فالمساحة المخصصة للركح «بحسب أهل تونس» تقع بين مدرّجين ذات اليمين واليسار، وبمواجهة الممثل صفان من الكراسي قررت المخرجة والمديرة التنفيذية لكتارسيس زينة دكاش أن يشغلها عدد لا بأس به من القضاة الذين لبوا دعوة الحضور، من بينهم القاضي حمزة شرف الدين المتعاون مع المركز في صياغة مشروع قانون عصري لمحاكمة المرضى النفسيين الذين يرتكبون جرائم. «الريس حمزة» حظي بترحيب متواصل، من الممثلين، وكأنه معروف جيداً من قبلهم. عرّف «يوسف» بنفسه على أنه أحد الـ12 الغاضبين سنة 2009، وحكمه المؤبد. ذكّر بحاله قبل ست سنوات، وقارنه مع حاضره. في لقائه الأول مع الجمهور كان عمره في السجن 20 سنة. عدّها أشهراً، أسابيع، أياماً، ساعات، دقائق وربما ثواني. لكنه في سنة 2016 ترك لمن يرغب من الحضور أن يحتسب له موته البطيئ. والمستجد أن والدته لم تعد تقوى على زيارته، لعجزها عن المشي وصولاً إلى مكان اللقاء. للغاضبين الـ12 حكايات، رواها زميلهم «اثنان ماتوا بالسرطان في السجن» وآخر قضت عليه سيارة بعد خروجه إلى الحرية.
يدرك «يوسف» تماماً أنه «ممثل مشهور فـ12 لبناني غاضب كفيلم تسجيلي جال في 74 بلداً، وحصد ثمانية جوائز». شهرته وكذلك حكمه المؤبد تركاه يتخذ وبكل ثقة دور سارد دقيق ومتقن لحيثيات القانون، أو جملة القوانين التي يخضع لها من صدرت بحقهم أحكام بالإعدام أو المؤبد.
هي البداية التي قررتها المخرجة زينة دكاش للعرض الجديد، فلا قطع مع الماضي والتعاون عبر العلاج بالدراما مع السجناء في رومية يحمل أكثر من هدف، لا بد من تكاملها، ومفيد تذكير المتفرجين، خاصة الجدد بالموقف. يحمل «جوهر في مهب الريح» رسائل كثيرة، جميعها يصب في الهدف الأساسي عينه، وهو تسليط الضوء على ذوي الأمراض النفسية في المبنى الأزرق. حضر هؤلاء بأمانة من خلال زملائهم الذين تضامنوا معهم ونقلوا معاناتهم. حضروا درامياً في مشاهد إيمائية، أو قليل من الكلام. وصلوا إلى الوسط مجموعات. ربما كانوا أكثر من عشرة، جميعهم بالسترات السوداء. لكل حركته الخاصة به. ذاك الذي يهذي، أو يتحرك برتابة عصبية، أو يفصح دون إرادته عن هويته النفسية، أو يصرّح بما يفوق المعقول بأشواط. بينهم الشاب، الكهل والعجوز. حضور تكرر أكثر من مرة، ومن بينهم كان صاحب جوهر ينبري جانباً ليناجيه رسماً على الجدار، مستهولاً حضور العلم الإسرائيلي فوق رأسه.
نوعت المخرجة زينة دكاش في السبل التي أتاحت من خلالها فرصة التعبير أمام الفريق الذي تعاونت معه من السجناء والذي فاق الثلاثين ممثلاً. كانوا في لوحات تعبيرية، باحت بالممنوع والقمع داخل السجون. وبنجاح باهر استحضرت حالة قائد الميليشيا اللبناني الذي داهمه السلام في سنة 1991، وطلب منه إلقاء السلاح. لم يتآلف مع واقع تحوله لمواطن لا ينطق بتعبير «الأمر لي». عانى الشيزوفرينيا، ارتكب جريمة، ودخل السجن. بقيت النجوم أزراراً يعتز بها على كتفه، وبقي «الأمر لي» يصدر من المبنى الأزرق، وكذلك الاشمئزاز من جيل «النايلون».
ومن هم أساس اللقاء الذي كان في سجن رومية كانت لهم اطلالات عبر الشاشة. وحدها شجرة الميلاد في زاوية المكان تسعى لصورة تجدد حياة الرتابة، والمكان الذي يفيض بالاهمال والمقتنيات التي ترفضها المكبات دون شك. رجال تدرك بمجرد اللقاء بهم عبر الشاشة أن التاريخ نسيهم حيث هم. وأن التعب والإنهاك جميعه تكاتف بالهجوم على سحنتهم وأجسادهم. لا شك أن هؤلاء ليسوا منسيين فقط من قبل القانون بل كذلك من قبل أقاربهم، وحده المجتمع المدني يلتفت لهم. وبعض من السجناء في رومية قرروا الحياة الإيجابية داخل السجن، تولوا المسنين والعاجزين بين هؤلاء ومدوا لهم يد العون. وفي العرض المسرحي، يذكر ممثل أسماء من رحلوا من الحياة داخل المأوى الاحترازي، ويلفت أنه تولى غسلهم جميعاً، وتحضيرهم للمثوى الأخير، ووداعهم حتى سيارة الاسعاف.
هي تفاصيل مرّة تميط اللثام عن فئة منسية من البشر في مجتمعنا، في كل مرّة نتوقع أن لا مشاهد أكثر مرارة، وأكثر حشراً للنفس في لحظة فاصلة بين البكاء أو الإحجام. عندما يأتي مشهد الرباعي تزداد الحياة قتامة. فالأمل بحسب أربعة من الممثلين محكومون بالمؤبد والإعدام يبدو بعيد المنال. يروون على التوالي حكايتهم مع القوانين، وكيف لهم الاستفادة منها. تقف التعويضات المالية المقررة لأهل الضحايا حاجزاً، وغيرها وغيرها… الغريب وغير المنتظر أن هؤلاء الذين يسردون خساراتهم الكثيرة بسبب الجريمة والسجن، يسردون الدروس التي تعلموها، والإيجابيات التي يقومون أو قاموا بها في حياتهم. هي فسحة النور تأتي حتى من نفق حكم الإعدام أو المؤبد. ربما هي دروس يمررها السجناء لنا نحن الذين ندّعي أننا أحرار.
هو عرض متكامل بين دراما وكوميديا وموسيقى وغناء. فالمخرجة التي نادت عليها مدام «لول و« من بين الحضور طلباً للخروج إلى دورة المياه، مثلت الجانب الفكاهي. «محشورة بديPipi «. هي في ذهن حاضر تماماً ولها سرعة بديهة. يزعجها أن السجن صار يفتقد اللبنانيين «كلن سوريين حتى بالحبوسي انقطعوا اللبنانيي؟» وراحت لولو تبحث عن عريس بين مشاهير الحضور، من زافين، جورج خباز ونيشان.
إلى سر العنوان الذي حمله العرض وهو حكاية حقيقية لشاب جنوبي ضاع حماره واتهم العدو الإسرائيلي بخطفه، واشترى بعده «موتسيكل» لا يملك بدل تسجيله، فـ»خطفه» منه الدرك. تسلل ليلاً إلى مكان الحجز لاستراجاع من يعتبره ابنه، فضُبط وتمّ سجنه في رومية. والدته سعت جاهدة للإفراج عنه ونجحت، وبغير ذلك كان سجين المـــأوى الاحــترازي لحين «الشفاء».
بالحضور إلى سجن رومية لمشاهدة عرض مسرحي بمعية كتارسيس يكون المتلقي أمام اختبار حياة مختلف تماماً عن توقعاته في الحياة العادية. يكون وجهاً لوجه مع حقائق نشيح النظر عنها. سجناء قدموا عرضاً صدقناه، تعاطفنا معه وتأثرنا به. والأهم أن مشروع القانون الذي يهدف لجديد يحيل على التقاعد قانون 1943 يسير في الطريق الصحيح. ولا بد من الذكر أن العرض تخلله تصفيق كبير، وانتهى بتصفيق تشجيعي لا يوصف، فيما كان الضابط المسؤول يحيط بالممثلين ليعيدهم إلى حالهم كسجناء.

بمعيّة زينة دكاش المتفائلة أبداً: ممثلون في سجن رومية اللبناني يبثون الأمل

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية