وإذا اتفقنا على أننا جميعاً مسؤولون عن أمجاد عبد الناصر وأخطائه، كل بحسب موقعه وعلمه، برز سؤال غاية ما يكون في الأهمية وهو: ما مدى مسؤولية الكتّاب والفنانين ـ من أدباء وصحافيين وأساتذة في الجامعات وشعراء ومغنين وملحنين ومصورين ومثّالين ـ عما كان لعهد عبد الناصر من سمات رائعة وسمات بشعة؟ وفي رأيي أن مسؤوليتهم في ذلك أكبر من مسؤولية الطبيب أو المهندس أو الصيدلي أو موظف الحكومة والبنوك والشركات الخ… ومع الكتّاب والفنانين تدخل طائفة المعلمين والوعاظ الدينيين وكل من اتخذ الكلمة أداة للتعبير عما في نفسه أو لتغيير آراء الناس، فهؤلاء جميعاً يمكن أن نطلق عليهم بدرجات متفاوتة لقب «الدعاة». ونحن بالطبع لا نتحدث عن الكتاب والفنانين الذين يتحدثون عن الحب والغرام ومشاكل القلب الإنساني، فهؤلاء من أهل الأدب والفن الذين رُفع عنهم التكليف الاجتماعي إلا في حدود الآداب العامة والأخلاق العامة، والحكم على نتاجهم ينبغي أن يكون بالمقاييس المهنية المألوفة. ومع ذلك فأدب الترفيه وفن الترفيه كثيراً ما يُستخدم استخداماً سياسياً كلعب الكرة ومباذل الجنس ودروشة الدين، وبالتالي فهو يخضع للحساب السياسي والاجتماعي.
وإنما نحن نتحدث عن الأدباء والفنانين الذين يلتزمون بقضايا المجتمع وغاياته، لا فرق في ذلك بين توفيق الحكيم صاحب «الايدي الناعمة» و«السلطان الحائر»، وأم كلثوم صاحبة «ثوار ثوار»، وعبد الوهاب صاحب «يا حبيب الكل يا ناصر»، وصلاح جاهين صاحب «والله زمان يا سلاحي»، وكل من خطّ منا كلمة تؤيد أو تنقد ما كان يجري في عهد عبد الناصر. هؤلاء «الدعاة» الفنيون والادبيون تقع عليهم مسؤولية خاصة أكبر من مسؤولية المواطنين العاديين لأنهم يتصدون لقيادة المواطنين العاديين فكرياً، ومسؤولية القائد أكبر من مسؤولية المقود، ومع هذا فمسؤولية هؤلاء «الدعاة» أقل من مسؤولية أبناء الطبقة الحاكمة لأن عملهم مهما كان كبيراً وأثرهم مهما كان فعالاً فهم لا يشغلون موقعاً معيناً يجعلهم يلزمون الناس بآرائهم وبتفسيراتهم وبتحليلاتهم. بل وربما كان الموظف الصغير الذي يرأس لجنة الاستفتاء ويعدّ نتيجة الموافقين بأنها 99،9 أقوى موقعاً وأكبر مسؤولية عن مسار المجتمع من طه حسين أو توفيق الحكيم. ولا مجال هنا للحديث عن الاكراه في التمييز بين الصغير والكبير في مستويات المسؤولية، لأن الإكراه إن وقع فهو واقع على الكبير وعلى الصغير جميعاً. والصغير ليس بحاجة إلى علم أفلاطون وأرسطو ليعرف أن التزوير والكذب وبيع الهتاف لقاء ربع جنيه، وتعذيب المعتقلين، الخ… مناف لدينه وذمته وشرفه ووطنيته، بل ومناف لآدميته. المسألة أعمق من كل هذا، لأنها مرتبطة بعلم الاجتماع وبعلم النفس الاجتماعي.
إن كل كلام حول مسؤولية المواطنين عن نظام من النظم لا معنى له إلا إذا اقترن بالكلام عن حرية الاختيار في القول والفعل. فمسؤولية الكتاب والفنانين حيث لا رقابة، أكبر من مسؤوليتهم بعد فرض الرقابة على ما يكتبون وما ينشئون وما يؤدون. ومسؤولية الكتاب والفنانين قبل تأميم الصحافة أكبر من مسؤوليتهم بعد تأميمها، وإذا كنا نرى بعض الخطباء ينادون اليوم ـ حيث لا قهر ولا خوف باتفاق الناس ـ بانتخاب الرئيس السادات رئيساً للجمهورية مدى الحياة، على غير ما رسم الدستور (وهو شيء غير تجديد انتخابه الذي أرجو أن يتم ليتمّ السادات ما قد بدأ من سياسة: «خذ وطالب»)، فمسؤوليتهم أكبر من مسؤولية نظرائهم من المتزيدين الذين كانوا ينادون بانتخاب الرئيس عبد الناصر رئيساً للجمهورية مدى الحياة في ظل القهر الذي حدثنا عنه توفيق الحكيم في كتابه «عودة الوعي». ففي انتخاب الرئيس مدى الحياة معنى واضح من عودة الملكية. ومسؤولية المهدد في رزقه ورزق عياله في جميع الظروف والعصور أقل من مسؤولية المهدد في ترف المترفين. ومسؤولية الجندي الذي يقوم نظام حياته على إطاعة أوامر الرؤساء ولو كانت منافية للقوانين أقل من مسؤولية المدني الذي يقوم نظام حياته على إطاعة القوانين قبل إطاعة أوامر الرؤساء، بل وعلى عدم إطاعة أوامر الرؤساء إلا إذا كانت غير منافية للقوانين. وهناك طبعاً حدّ أدنى من المسؤولية يشترك فيه جميع البشر حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وحيث معصية الخالق واضحة المعنى للكافة من بني الإنسان.
والبحث في مبدأ المسؤولية ينتهي بنا إلى طرح هذه الأسئلة التي لم يطرحها توفيق الحكيم عن عهد عبد الناصر، وهي: هل فقد المصريون حقاً حرية الاختيار خلال ثمانية عشر عاماً من الثورة، أو على الأصح من 23 يوليو 1952 إلى 15 مايو 1971؟ فإن كانوا قد فقدوها، فمتى فقدوها؟ وكيف حدث ذلك؟ ومن كان المتسبب أو المتسببون في ذلك؟ وهل كانت كل هذه الاعوام متساوية في انعدام حرية الاختيار؟ وهل كان كل المواطنين متساوين في انعدام حرية الاختيار؟ وهل كان الشعب أسير عبد الناصر أو طبقة من طبقاته؟ أم ترى هل كان عبد الناصر والشعب المصري أسرى قوى عالمية أعتى من قدراتهما، جعلت سعيهما لتحرير الغرادة وممارسة حرية الاختيار كسعي سيزيف دائراً في حلقة مفرغة، كلما دفع صخرته إلى القمة تدحرجت إلى السفح وكان عليه دفعها من جديد؟
كل هذه الأسئلة كان ينبغي أن يطرحها بأمانة وهدوء توفيق الحكيم وكل من تعرضوا لغبد الناصر وعهده، وأن يجيبوا عليها ما أمكنهم بأمانة وهدوء. أما توفيق الحكيم فقد اتخذ الطريق السهل وهو التسليم بأننا كنا مجردين من الإرادة وحرية الاختيار، وأننا فقدنا الغرادة وفقدنا حرية الاختيار لأننا فقدنا الوعي، وأننا فقدنا الوعي لأن ساحراً فذاً نوّمنا ونوّم أحكم حكمائنا تنويماً مغناطيسياً وسار بنا في مسارات لا ترضى بها الأرض ولا السماء، ونحن لم نسترد وعينا إلا بعد أن مات الساحر في 28 سبتمبر 1970 ثم خرج من المسرح آخر أعوانه في 15 مايو 1971، وكأنما الرئيس السادات لم يكن واحداً من أعوانه، وكأنما هو موجود الآن مقطوع الوشائج من جميع الوجوه بما قد كان.
أما أنا فأرى الأمر في غاية التعقيد ولا يحل تعقيده أن يقول كلّ منا للجيل الحاضر ولمستقبل الأجيال: عفواً فقد كنت نائماً باستهواء هذا الساحر العجيب ولم افق إلا حين وجدت نفسي في قاع هاوية 1967.
فأقدام إسرائيل لا تزال تدنس أرض سيناء منذ 1967، ولن يجدي أن نقول لبنينا: لقد مرّ في بلادنا ساحر مشعوذ لا نعرف من أين أتى ولا كيف ألقى علينا بطلاسمه غلالة من النوم العميق فأضعنا جزءاً من أرض الوطن. عندئذ سوف يقول بنونا: إذا لم يكن لديكم عذر خير من هذا، فاصمتوا صمت القبور!
من «أقنعة الناصرية السبعة: مناقشة توفيق الحكيم ومحمد حسنين هيكل»، 1987.
تلميذ طه حسين النجيب
تعددت التيارات الفكرية والأدبية التي أثّرت في المفكر والناقد والأديب المصري (1915ـ1990)، ابتداء من سلامة موسى، مروراً بعباس العقاد، وليس انتهاء بطه حسين الذي درّس عوض في الجامعة، وهداه إلى دراسة الآداب الكلاسيكية اليونانية واللاتينية، فأهداه عوض ترجمة «فنّ الشعر» لهوراس، قائلاً: «هذا الكتاب منك، لأنك مثلت لي وراء كل سطر من سطوره وما كان منك فليعد إليك، لا أهديكه اعترافاً بغذاء الروح الذي أمددتني به منذ صباي، فإن أدبك العالي لا يكون تقديره بإهداء كتاب، إنما أفعل هذا لأنك إمام الثائرين والراشدين معاً، لأنك الأمين على الأدب العربي واللغة العربية في الجامعة، ولأنك صاحب الحق عدو الجهالة والتعصب. أخذتُ عنك الثورة فمتى آخذ عنك الرشد».
والحال أن هذا التأثر بطه حسين سوف يثمر الكثير من مواقف عوض، في الأدب والنقد واللغة والسياسة، التي تبلورت بعد استكمال دراساته العليا في كامبرج وبرنستون، وفي رئاسة قسم الإنكليزية كأوّل مصري يتولى هذا الموقع، ثمّ في معظم مؤلفاته ومقالاته خاصة حين أشرف على القسم الأدبي في جريدة «الجمهورية». ولقد خاض العديد من المعارك، حول فقه اللغة العربية، والعامية المصرية والقبطية في معجم الفصحى، ورفض مبدأ الفن للفن مع التشديد على حرية الإبداع، وتثمين الدولة المصرية العلمانية التي أسسها محمد علي باشا، وإعلاء شأن المنهج التاريخي في النقد، والدفاع عن الشعر الجديد وقصيدة النثر، ما إلى ذلك.
أعمال عوض كثيرة، بين أبرزها «المؤثرات»، «دراسات في النظم والمذاهب»، «دراسات في الحضارة»، «البحث عن شكسبير»، «تاريخ الفكر المصري الحديث»، «دراسات أوروبية»، «مقدمة في فقه اللغة العربية»، «تاريخ الفكر المصري الحديث»، ورواية «العنقاء أو تاريخ حسن مفتاح».
ومن ترجماته «فن الشعر» لهوارس، وصدر سنة 1945، «برومثيوس طليقاً» لبيرسي بيش شيلي، «صورة دوريان جراي» و«شبح كانترفيل» لأوسكار وايلد، «الوادي السعيد» لصموئيل جونسون، «خاب سعي العشاق» و«أنطونيوس وكليوباترا» لشكسبير، «أجا ممنون» و«حاملات القرابين» و«الصافحات» لأسخيلوس.
لويس عوض