أكد رئيس الائتلاف السوري المعارض السابق د. خالد الخوجة ان هناك مخططا يهدف إلى تقسيم سوريا إلى كانتونات طائفية علوية وسنية ودرزية وكردية وغيرها. مقدما في حديثه لـ «القدس العربي» رؤيته لواقع سوريا اليوم ومآلات الحراك بعد أكثر من خمس سنوات على اندلاعه. وبينّ ان المعارضة السياسية لا تزال تدافع عن مطالب الشعب السوري، مشيرا إلى ان تشتت المعارضة هو بسبب تشتت مواقف الداعمين لها.
ويُعد خوجة من مؤسسي المجلس الوطني السوري الذي أنشئ في 2 تشرين الاول/أكتوبر 2011. كما ساهم في تأسيس الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة الذي أعلن عن تشكيله في تشرين الثاني/نوفمبر 2012. وهو شخصية قريبة من الحراك المدني والعسكري ويعد من مؤسسي مشروع المجالس المحلية في سوريا. وتعرض خوجة خلال مراحل تعليمه لاعتقالين من قبل نظام الرئيس حافظ الأسد: الأول سنة 1980 واستمرت فترة اعتقاله أربعة أشهر، ثم اعتقل ثانية سنة 1981 مدة عام ونصف بسبب نشاط والده السياسي في نقابة الأطباء.
○ بداية ما هو موقفكم من التفجيرات الإرهابية التي ضربت طرطوس خلال هذا الاسبوع؟
• ان استهداف المدنيين بغض النظر عن انتماءاتهم وولاءاتهم هو مدان بكل المعاني. ونحن ندين الأعمال الاجرامية من أي طرف كان. لذلك ندين التفجير سواء تبناه داعش بالفعل أو كان من أطراف أخرى. فهو تفجير إجرامي يستهدف وحدة سوريا ولحمتها في الدرجة الأولى.
هناك أياد تحاول الزج بسوريا إلى مرحلة جديدة وهي مرحلة الحرب الأهلية. طوال الخمس سنوات الماضية كانت الأطراف الداعمة للنظام تحاول ان تعطي انطباعا ان ما يجري في سوريا هو حرب أهلية بينما كان الواقع يؤكد أن هناك حربا يشنها النظام على الشعب السوري دون ان يفلح في شرخ اللحمة الشعبية المتماسكة، وان كان استقوى بطائفة على باقي أطياف الشعب السوري. هناك استهداف للطائفة العلوية سواء في منطقة الزهرة أو الساحل كما شهدنا. ربما ثمة محاولة لإشعال أو اذكاء فتيل الحرب الأهلية بين الطوائف سبقتها محاولات من قبل النظام للزج بعناصر داعشية في منطقة السويداء قبل حوالي تسعة أشهر، وأيضا لإشعال الحرب الأهلية بين السنة والدروز. وهنا اؤكد ان تنظيم داعش أصبح أداة لعدة أجهزة استخباراتية. وأعتقد ان هناك عقلا فوقيا يحرك هذه العناصر المتطرفة لتخدم أجندات خاصة تريد لسوريا ان تبقى في دوامة هذه الحرب ولا تخرج منها.
○ بمناسبة مئوية اتفاقية سايكس بيكو، هناك من يقول ان المنطقة مقبلة على سايكس بيكو جديد فهل ستكون سوريا انطلاقة هذا المخطط أو التقسيم الجديد وداعش هي أدواته؟
• الأكيد ان داعش أداة يستخدمها النظام ولا أحد يشك في ذلك. وأظهر تقرير لوكالة «رويترز» مؤخرا ان هناك زجا من قبل المخابرات الروسية لعناصر شيشانية في سوريا لتلتحق فيما بعد بداعش. ليس هناك شك ان داعش أصبح أداة تدار خلالها العمليات الاستخباراتية لعدة أجهزة وليس جهازا بعينه. أما بالنسبة للتقسيم، فهناك عدة أدوات لتنفيذ هذا المخطط أحدها داعش. فالكيان الكردي الذي انشئ في شمال سوريا هو أداة تستخدم لفرض حالة الكانتونات والتي تؤدي فيما بعد إلى حالة من التقسيم. وكما ذكرت فإن المعارك في جنوب حلب تدار من قبل الإيرانيين وداعش من جهة، ومن قبل عناصر حزب العمال الكردستاني من جهة أخرى، وهي أدوات لفرض حالة التقسيم.
إذا نظرنا إلى الخريطة، نجد ان سوريا تعيش منذ عامين حالة كانتونات: كانتون في دمشق والساحل وكانتون في الشمال السوري والشمال الشرقي الذي تديره الإدارة الذاتية لحزب العمال الكردستاني وآخر لداعش في مناطق حلب ودير الزور وكذلك الحسكة وبعض المناطق الشمالية، في حين ان الجيش الحر محصور في جزء حلب الشرقي وبعض الأجزاء الغربية وفي ادلب وفي مناطق محاصرة أخرى كالغوطة وحمص. وهناك في الجنوب أيضا منطقة نفوذ معزولة تماما عن باقي المناطق السورية تحت سيطرة أردنية في الدرجة الأولى. وفي السويداء نجد الدروز في شبه منطقة محايدة. لذلك إذا استحضرنا سايكس بيكو في عام 1920 نجد ان فرنسا كانت تريد ان تفرض الحالة نفسها مع تقسيم سوريا إلى دويلات لكن لم تنجح لعدة سنوات وفشلت هذه الخطة. الآن هناك لاعبون جدد وبسبب الضعف الأوروبي ظهر هناك لاعبان أساسيان هما كيري ولافروف ومناطق النفوذ في الدرجة الأولى في العراق وسوريا تدار من قبل روسيا والولايات المتحدة الأمريكية بطرف مساعد على الأرض وهي إيران التي تمد هذه الخطة بميليشيات تذكي فتيل الحرب إلى جانب داعش وبعض قوى حزب العمال الكردستاني وغيرها من هذه الأدوات. حالة الكانتونات هذه ربما تستمر لسنوات بسبب عجز الدول المحيطة بسوريا عن تشكيل محور يساوي المحور الروسي الإيراني الذي يؤسس حديثا في المنطقة.
عجز هذه الدول يجعل هذه الحالة تستمر لعدة سنوات، ولكن العوامل الداخلية والتركيبة الديموغرافية لا تساعدان على تقسيم سوريا، وحتى المنطقة التي يسيطر عليها حزب العمال الكردستاني يتواجد فيها التركمان والعشائر العربية. صحيح انه يراد لمنطقة الساحل ودمشق ان تكون دولة علوية صغيرة، لكن لا يمكن تحقيق ذلك عمليا إذا ما اعتبرنا ان 60 في المئة من سكان الساحل باتوا من السنة بسبب الهجرة من الوسط السوري إلى الساحل وكذلك دمشق. التركيبة الديموغرافية لا تساعد، كما ان الشعب السوري يرفض بطبيعته حالة التقسيم هذه، واعتقد أن حالة الكانتونات ستستمر لعدة سنوات في المرحلة المقبلة خلال سنتين أو ثلاث سنوات. فاذا كان يراد للمنطقة وليس لسوريا فقط التقسيم، عندئذ ستدخل المنطقة في حالة الفوضى.
○ ماذا هيأت المعارضة للمرحلة المقبلة سواء السياسية ممثلة في الائتلاف السوري أو العسكرية ممثلة في الجيش الحر وغيره؟
• الآن المعارضة العسكرية سواء الجيش الحر أو الفصائل الإسلامية الخارجة عن الجيش الحر ليست مدرجة تحت قوائم الإرهاب وهي أقرب إلى الطرح الوطني السوري أكثر من ذي قبل مثل جيش الإسلام، كل هذه الفصائل اليوم هي في حالة دفاع. في جنوب حلب وفي الغوطة وفي دمشق والجنوب السوري المعارك تدور بوجود الحرس الجمهوري الإيراني لم تتوقف منذ عدة أشهر. والوظيفة المناطة للجيش الحر هي الدفاع عن الجيش السوري وهو يرفض أي مخطط سياسي يدعو إلى التقسيم أو أي خطة سياسية تبقي على بشار الأسد والدائرة المحيطة به في المرحلة الانتقالية. بالنسبة للمعارضة السياسية علينا – وهذا ما نفعله- الحفاظ على سقف «الثورة» ومطالب الشعب السوري وهذا ما ندافع عنه في المحافل الدولية سواء بالعملية التفاوضية أو من خلال علاقاتنا مع الدول العربية والمنطقة أو مع الدول الداعمة للشعب السوري.
○ هل هناك نسخة جديدة من جنيف بعد فشل 1 و 2 و 3 وهل ما زال الحل السياسي ممكنا اليوم في سوريا؟
• الحل السياسي مرهون بموافقة النظام على القرار الأممي رقم 2118 الذي يدعو لتشكيل هيئة حاكمة إنتقالية بكامل الصلاحيات. الآن النظام ما زال يرفض هذا المفهوم ولا توجد أداة ضغط عليه لكي تجبره على قبول هذا المرسوم. طالما هناك غياب للإرادة السياسية للدول المؤثرة في عملية جنيف والولايات المتحدة بالدرجة الأولى وروسيا أيضا، فلا أعتقد انه يمكن ان نتحدث عن استمرار لعملية تفاوضية أو حل سياسي. في الحقيقة لم يعلن إلى الآن عن فشل جنيف 3 ولكن إذا كان هناك إعلان عن فشل، فالسبب الوحيد هو النظام وداعمته الرئيسية روسيا.
○ هناك انتخابات رئاسية في أمريكا ويبدو ان ترامب يتمتع بحظوظ وافرة للفوز فهل في رأيكم سيتغير موقف الإدارة الأمريكية من الأزمة السورية مع تغير الرئيس؟
• في اعتقادي لا يمكن ان يكون هناك موقف أمريكي أسوأ مما نحن عليه الآن. فالإدارة الأمريكية تعتبر روسيا شريكا في الحل، بينما الطائرات الروسية تقصف الشعب السوري. أمريكا تعتبر ان روسيا ضامن لوقف إطلاق النار، بينما هي نفسها تخرق وقف إطلاق النار. وأمريكا أيضا تعتبر ان روسيا هي شريك في الحرب على الإرهاب بينما روسيا تدعم الإرهاب. وأمريكا نفسها تدعي محاربة الإرهاب لكن أدواتها مثل الحشد الشعبي في العراق وحزب العمال الكردستاني في سوريا هي أدوات إرهابية. لذلك لا يمكن ان يكون هناك موقف أمريكي أسوأ مما هو عليه اليوم.
○ يتهم البعض المعارضة بأنها مقسمة وان ذلك أحد أهم أسباب فشل «الانتفاضة» قرار المعارضة السورية اليوم بيد من؟
• أعتقد ان إعطاء الإنطباع للرأي العام أن المعارضة مشتتة هو كذبة كبرى سواء من قبل الدول العدوة أو الدول التي تدعي صداقة الشعب السوري. كان هناك تشتت ضمن مجموعة أصدقاء الشعب السوري فهناك دول تدعي صداقة الشعب السوري بينما هي صديقة للنظام وهذا واضح جدا. لم يكن هناك قرار بالدعم بل قرار بإطالة عمر النظام وهذا ما نشهده بعد خمس سنوات أصبح فيها الموقف الأمريكي أكثر وضوحا. المعارضة مشتتة بالفعل بسبب تشتت الدعم وعدم توحيد قناة الدعم.
○ في ظل غياب أفق الحل السياسي هل يمكن الحديث عن إعادة إعمار سوريا وعودة اللاجئين ؟
• يمكن. لكن كل ذلك مرهون بإرادة دولية لحل سياسي وإرساء الاستقرار. الآن ما تشهده المنطقة ليس في سوريا فقط، بل في لبنان والعراق واليمن هو حالة من الفوضى واللااستقرار. إذا كانت هذه هي الحالة التي ستعم المنطقة في العقود المقبلة فلا أعتقد انه يمكن الحديث عن استقرار سوريا، أما إذا كانت هناك إرادة إقليمية ودولية لدرء حالة الفوضى ومنع المزيد من الصراعات والتشتت السياسي والاجتماعي في المنطقة فيمكن عندئذ الحديث عن استقرار في سوريا. ولا يمكن ان نعزل سوريا عما يجري في كل دول المنطقة، كل هذه الأوضاع أصبحت مرتبطة ببعضها البعض.
○ في ذكرى النكبة هناك حديث أننا نعيش نكبات جديدة فما مدى حقيقة هذه الصورة السوداوية؟
• أكيد بعد مئة سنة على سايكس بيكو وفي ذكرى النكبة نرى ان سايكس بيكو لم تجر إلى المنطقة سوى المزيد من الصراع ومزيد من تردي الأوضاع اقتصاديا وسياسيا ومزيد من العداوات بين الدول التي تسمى وطنية أو قومية. واليوم تقسيم المقسم وتشتيت المشتت سيجلب المزيد من الوبال للمنطقة وشعوبها. أعتقد ان الصورة ستظل سوداوية إذا بقينا وبقيت الدول العربية كما هي الآن دون وجود موقف عربي سياسي وإرادة حقيقية للإصلاح السياسي والاقتصادي وتأسيس محور قوي متصالح مع شعوب المنطقة لا يمكن لنا الحديث عن استقرار للمنطقة وإنما عن مزيد من الفوضى.
روعة قاسم