بغداد ـ «القدس العربي»: مع اندفاع القوات العراقية هذه الأيام نحو معركة تحرير الفلوجة من احتلال تنظيم «الدولة» التي طال انتظار العراقيين لها، تتنازع آمال ومخاوف جديدة، شرائح مختلفة من الشعب العراقي.
والآمال هي ان تكون معركة الفلوجة مدخلا لمصالحة وطنية وانهاء لمعاناة النازحين ومفتاح المرحلة الأخيرة من الحملة المحلية والدولية لانهاء كابوس تنظيم «الدولة» الذي جثم على مناطق واسعة من العراق منذ أكثر من سنتين، ونشر شروره في كل مكان من أرض البلد وخاصة العاصمة بغداد عبر سيل جارف من العمليات الإرهابية وسط المدنيين الأبرياء في الشوارع والأسواق والتجمعات.
أما المخاوف، فهي ان تكون الفلوجة بداية مرحلة جديدة في سيناريو الفتنة الطائفية التي تعصف بالبلد منذ 2003 وتأبى ان تغادره. فقد تسابق قادة بعض الميليشيات المشاركة ضمن الحشد الشعبي في معركة الفلوجة، في إعلان مواقفهم ونواياهم الطائفية المتطرفة من خلال التهجم على أهل الفلوجة ووصفها بقلعة الإرهاب ورأس الأفعى مع مس مقيت بأهلها وكرامتهم وتاريخهم المشرف.
ورغم محاولة حكومة حيدر العبادي التبرؤ من تلك التصريحات الطائفية وتطمين أهالي المدينة والقوى السنية، ولكنها لم تبعد المخاوف من استباحة الفلوجة من قبل الميليشيات بعد تحريرها كما حصل في بعض المواقع والمدن المحررة من تنظيم «الدولة» مثل تكريت وديالى وجرف الصخر وغيرها التي ما زال أهلها يشكون من تلك الممارسات الطائفية.
وقد لوحظ في معركة الفلوجة غياب دور دول التحالف الدولي عن المشاركة فيها، وعدم تدخل طائراته لدعم تقدم القوات العراقية وتقديم المعلومات الاستخبارية عن تحركات التنظيم في المدينة. حيث أعلن التحالف الدولي عدم الاسهام في المعركة نتيجة لتواجد الحشد الشعبي حول المدينة، وهو مبدأ حرص التحالف عليه مؤخرا في أي معركة ضد تنظيم «الدولة».
ومع احتدام المعارك، ونجاح القوات العراقية ومقاتلي العشائر في تحرير المناطق المحيطة بالمدينة والتقدم نحو مركزها، كان هناك قلق دولي من الدمار والأوضاع الإنسانية الفظيعة التي يتعرض لها أكثر من 50 ألف مدني عالقين في الفلوجة ممن لم يحالفه الحظ أو الامكانية على الافلات من المدينة قبل بدء المعركة. وعبرت العديد من المنظمات الدولية عن القلق البالغ لنتائج القصف العنيف بالمدفعية والطائرات وصواريخ الراجمات، والذي وُصف بالعشوائي الذي لا يفرق بين مواقع تنظيم «الدولة» ودور المواطنين والبنية التحتية للمدينة، وهو ما يذكرنا بتجربة الرمادي عند تحريرها من التنظيم والتي كانت نسبة الدمار فيها 75 في المئة من مبانيها وخدمات البنية التحتية، حيث يعتقد المراقبون ان الفلوجة لن يكون حالها بأحسن من الرمادي، خاصة وانها ترزح تحت حصار قاسي وقصف متواصل من القوات الحكومية والحشد الشعبي منذ أكثر من عام، إضافة إلى وصول أسلحة إيرانية جديدة مثل صواريخ القاهر الثقيلة والراجمات بكل أنواعها، التي تم تسليمها إلى كتائب الحشد الشعبي لكي تدك الفلوجة وأحياءها باشراف قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني.
وفي كل الأحوال، فان معركة الفلوجة ستكون نقطة تحول بالغة الأهمية في مسار الحرب على تنظيم «الدولة» في العراق وربما في سوريا أيضا، خاصة بتزامنها مع معركة كبيرة يتم شنها في الرقة ضد التنظيم، حيث حرص التنظيم طوال العامين التي سيطر فيهما على الفلوجة، ان يجعلها أحد أهم مراكز تواجده نظرا لقربها من بغداد (60 كلم غرب العاصمة) ولوجود قيادات وعناصر قيادية كثيرة ولرمزيتها في كونها أحد معالم مقاومة القوات الأمريكية، ولكون هذه المعركة ستكون المنطلق للمعركة الفاصلة المقبلة في الموصل.
ومع انشغال العراقيين والحكومة هذه الأيام بمعركة الفلوجة، فلم تخف قدرة الأزمة الدستورية وانقسام مجلس النواب، على ان تشد الاهتمام والانتباه إليها، من خلال متابعة فعاليات المحكمة الاتحادية ومداولاتها التي طال أمدها، وبعد عقدها عدة جلسات للاستماع إلى الأطراف السياسية المتخاصمة وتأجيل إعلان الحكم بمبرر الحاجة لمزيد من دراسة طروحات الطرفين.
ويبدو الكثير من العراقيين غير مقتنعين بمبررات تأخير إعلان حكم المحكمة الاتحادية في قضية غاية في الأهمية والتأثير على المشهد السياسي والتشريعي العراقي، وفي مرحلة بالغة الحساسية والخطورة، وتتوقف عليه استمرارية عمل أكبر مؤسسة تشريعية في البلاد، وتعطيل ممارسة الحكومة لعملها بشكل طبيعي جراء إقالة خمسة وزراء وعجز وزراء جدد من ممارسة عملهم دون أداء القسم أمام البرلمان المعطل، عدا عن توقف اصدار القوانين والتشريعات المهمة والاصلاحات التي يطالب بها الشارع الغاضب الذي نفد صبره وأقدم على اجتياح البرلمان ورئاسة الـــوزراء في المنطقة الخضراء وقدم شهداء وجرحى من أبنائه للمطالبة بحسم القوى السياسية للأمور وتنفيذ الاصلاحات الموعودة.
ويبدو ان كل التطورات والتحديات الأمنية والاقتصادية المحيطة بالعراق، إضافة إلى التظاهرات الشعبية الغاضبة واختراق المنطقة الخضراء مرتين، ومناشدات المجتمع الدولي، كلها لم تغير في مواقف القوى السياسية المتحكمة بالعملية السياسية التي رفضت تقديم أي تنازلات عن مصالحها وامتيازاتها من أجل التــحـــرك لحل الأزمة السياسية والتـــشريعية التي أوصلت البلد إلى حافة الانهيار، ما يجعل الخيارات الشعبية مفتوحة في الأيام الآتية .
مصطفى العبيدي