مصر: تجدد النزاعات الطائفية في ظل المطالبات بتنفيذ القانون على الجميع

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»:جاءت الأحداث الطائفية التي شهدتها مدينة المنيا في صعيد مصر، لتلقى مزيدا من القلق والغضب من لدن الرأي العام المنشغل بالأزمات الاقتصادية والأمنية والسياسية. وليست هذه الأحداث الأولى من نوعها، وان كانت بدت صادمة للمجتمع خاصة بعد ان تعرضت سيدة مسيحية مسنة خلالها إلى تعريتها ردا على مزاعم بوجود علاقة عاطفية بين مواطن مسيحي وربة منزل مسلمة، وأسفرت عن إصابة شخصين وحرق واجهات سبعة منازل ومخزن.
ويمثل الموضوع الطائفي قضية شديدة الحساسية بالنسبة للمصريين، حيث يحرصون دائما على إبقاء النزاعات في حجمها الطبيعي. وعلى الرغم من وقوع حوادث طائفية معروفة في الماضي أوقعت عددا من الضحايا بينها حادثة قرية الكشح الشهيرة في الصعيد أيضا قبل نحو عشر سنوات، لم تشهد مصر مواجهات طائفية واسعة المجال.
ويعتبر هذا النزاع أكبر أزمة طائفية تشهدها البلاد منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم قبل عامين تقريبا. ومن المعروف ان السيسي يتمتع بشعبية ملحوظة بين المواطنين الأقباط، بعد ان قام للمرة الأولى بحضور الاحتفال السنوي بعيد الميلاد الجديد في مقر الكاتدرائية للأقباط في حي العباسية في القاهرة في العام الماضي.
وسارع السيسي الخميس الماضي إلى التعليق على الأحداث، ما دفع محافظ المنيا الجمعة إلى استقبال زوج السيدة التي تعرضت للاعتداء وقدم له مبلغ خمسة آلاف جنيه كمساعدة لها.
إلا ان السؤال الذي طرحه العديد من المراقبين المصريين هو ان كانت الحكومة ستكتفي بعمليات المصالحات القبلية أو العرفية أم ستعمل على تنفيذ القانون على المتهمين بغض النظر عن الانتماء الديني للجميع؟
وقالت سعاد ثابت، القبطية ضحية أحداث أبوقرقاص، خلال مداخلة هاتفية على قناة «دريم 2» إنها تشكو إلى الله الذين اعتدوا عليها وانتهكوا جسدها، موضحة أن الموت كان أهون عليها من أن تتعرى أمام الجميع. وأضافت «كنت قاعدة في منزلي، دخلوا علينا، ضربوا زوجي، ولما صوَّت جروني في الشارع وقلعوني زي ما تكون أمي ولدتني ومحدش اتكلم علشان ماسكين سلاح، ولو كانوا موتوني من الضرب كان أهون من أنهم يعرُّوني».
وقال المحامي ممدوح رمزي، وهو أحد أبرز الناشطين الأقباط في مجال حقوق الإنسان لـ«القدس العربي» ان «حادث المنيا لم يكن الأول ولا الأخير، لان هذه سياسة ممنهجة لا يقابلها عقاب، وتلك الحادثة تعد فتنة طائفية وهي أخطر ما يمكن للوطن ان يواجهه. لابد من سيادة القانون والبعد عن الجلسات العرفية، لانه عندما يفلت المجرم من العقاب سيواصل عملياته الاجرامية من جديد، فلابد من ان تتعامل الدولة مع تلك الأزمة بحزم وحسم شديدين قبل ان يفلت الزمام، لانه إذا فلت الزمام في هذا المربع تحديدا فنقول على مصر السلام».
وأكد «لابد ان يقدم المحافظ ومدير أمن المنيا إلى المحاكمة واصدار قرار بإحالتهما إلى التقاعد على وجه السرعة، لانهما ساهما في تهميش تلك الأزمة وانكارها، ولابد من تقديم المتهمين للمحاكمة وخاصة للقضاء العسكري حتى تكون العدالة ناجزة وسريعة».
وأضاف «ان المدرك الوحيد لتلك الأزمة هو الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهو يعلم جميع الخبايا ويعلم ان من سبقوه أفسدوا الحياة في مصر، وهو ما كان يحدث في عهد مبارك والسادات فكانوا يقومون بحرق الكنائس والاعتداء على المسيحيين ثم تعقبها جلسات عرفية وينتهي الأمر، ولكن ما يجب ان يسود الآن هو القانون والأحكام لابد ان تكون رادعة حتى لا تتكرر مثل هذه الأحداث».
وقال الشيخ علوي أمين، أحد علماء الأزهر الشريف، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي مصطفى بكري، على فضائية «صدى البلد»، إن تجريد سيدة مسيحية من ملابسها «تهور وجنون» ولا يقبله الإسلام، مشيرا إلى أننا نعيش في دولة قانون ولا يمكن الاعتداء على الغير لأي سبب.
وأكد المهندس شريف اسماعيل، رئيس الوزراء، أن حادث سيدة المنيا مؤسف بكل المقاييس والموضوع في ايدي القضاء وسيطبق القانون على الجميع ولن يفلت أحد من الجناة من العقاب لأننا في دولة سيادة القانون.
ومن جهة أخرى، أكد اللواء طارق نصر محافظ المنيا عدم قبول أي تجاوزات أو سلوكيات غير مسؤولة تقع من الإخوة المسلمين ضد أشقائهم المسيحيين. لافتا إلى أن الدولة لن تقبل بحدوث مثل هذه التجاوزات أو التقاعس عن تنفيذ القانون، مشددا على أنه ستتم محاسبة المقصرين والمخالفين للقانون.
كما استقبل الدكتور علي عبد العال رئيس مجلس النواب نواب محافظة المنيا ومجموعة من النواب الذين تباحثوا معه حول الواقعة، وأشار عبد العال أنه أجرى اتصالاته بالجهات المعنية وأكد لنواب المنيا أنه تم بالفعل القبض على المتهمين الرئيسيين ويجري البحث عن باقي الجناة لتقديمهم للعدالة.
وأوضح أن المرأة المصرية «فوق الرأس» ولها كل التقدير والاحترام وأن الشعب المصري كله يقدر المرأة لكن يتعين إمهال جهات القبض والتحري الفرصة وبعض الوقت للقيام بواجبهم وإذا لم يتم القبض على الجناة في أسرع وقت سوف تتم مناقشة الموضوع في البرلمان باستخدام الأدوات الدستورية.
وأكد الدكتور عبد العال على أهمية عدم السماح للمُغرضين بالاصطياد في الماء العكر، وأن الجرائم الحساب عنها يكون وفقاً للقانون وكل من ارتكب جريمة فعليه تحمل عقوبتها وأن مصر دولة مؤسسات ودولة قانون وأنه كرئيس للبرلمان لم ولن يقبل الاعتداء أو التفريط في حق أي مواطن مصري أياً كان بصرف النظر عن محل إقامته أو جنسه أو ديانته.
وأفادت وزارة الداخلية، أنه فى ظل الأحداث التي شهدتها قرية الكرم في دائرة مركز شرطة أبو قرقاص في محافظة المنيا، فإن الوزارة تؤكد على حرصها الكامل على حماية أرواح وممتلكات وأعراض جميع المواطنين.
وأضافت، في بيان لها نشرته على صفحتها الرسمية على فيسبوك، أن لدى وقوع تلك الأحداث بادرت الأجهزة الأمنية باتخاذ إجراءاتها وضبط خمسة متهمين وتقديمهم للنيابة العامة، ومن بينهم المتهم (نظير إسحاق أحمد عبد الحافظ)، الذي كان خلف واقعة التعدي، وما زال محبوساً حتى الآن على ذمة التحقيقات.
وشددت الداخلية على أن أجهزة البحث تكثف جهودها لضبط باقي المتهمين الهاربين وتقديمهم للنيابة العامة، وتوالي الأجهزة الأمنية القيام بمسؤولياتها تجاه حفظ الأمن والاستقرار في القرية.
ووجه الأنبا موسى أسقف الشباب، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي حمدي رزق، على فضائية «صدى البلد»، رسالة للأقباط الغاضبين من واقعة تجريد مسيحية من ملابسها بالمنيا، قائلا: «اغضبوا ولا تخطئوا». وأضاف أن الغضب من الحادث لا يجب أن يتحول لإساءة أو تهور، حتى لا تتفاقم الأمور».
وانتقد نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، إصدار بيانات من الكنيسة ومشيخة الأزهر حول حادث تجريد سيدة مسيحية من ملابسها في المنيا.
وقال نور الدين في تدوينة عبر صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «لم أكن أود أن يصدر بيان من الأزهر وآخر من الكنيسة بشأن حادث سيدة المنيا، لأننا بهذا عمقّنا مفهوم الدولة الدينية ورسخناه وليست دولة المواطنة التي ننشدها وأن الجميع أولاد مصر.. كان ينبغي الإكتفاء ببيان الرئاسة وبيان الداخلية».

مصر: تجدد النزاعات الطائفية في ظل المطالبات بتنفيذ القانون على الجميع

منار عبد الفتاح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية