القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: في 21 مايو/أيار عام 1983 رحل أمل دنقل بعد معاناة مع المرض. دنقل الذي يُعد الأعلى صوتاً بين جمهور الشعر ومُتلقيه من المثقفين أو المهتمين بالشأن السياسي بوجه عام، هذه الشهرة أو التفاعل مع قطاع جماهيري عريض، رغم ما يبدو من مكسب لشاعر يكتب بالفصحى، إلا أن حصر إنتاج الشاعر وعالمه الشعري في بعض القصائد التي تتسم بالخطابية الشديدة، والأشبه بالشعارات السياسية، يبدو ظلماً كبيراً للشاعر، ولا يقتصر الأمر على الجمهور، بل امتد ليشمل الحركة النقدية التي تناولت أعمال دنقل، وأكدت بدورها إلى استكانتها إلى الوعي العام، وما فرضه الظرف السياسي على شعر دنقل، ومدى التفاعل حول تلقيه وتأويله. ونحاول هنا من خلال آراء بعض الشعراء مُختلفي الأجيال الاقتراب من عالم أمل دنقل الشعري، بعد مرور 33 عاما على رحيله، ربما تكون فرصة لإعادة النظر في إنتاجه، خاصة قصائده عالية الشعرية، والبعيدة عن الصورة التي رسمها له الجمهور والنقاد على حدٍ سواء.
رائد قصيدة النثر وشاعر الثورة
بداية يرى الشاعر وليد الخشاب، أن أمل دنقل مازال يعيش بيننا، ليس بشعره فحسب، بل بالنموذج الذي يمثله: الصعلوك الحر الذي لا يخشى في الحق لومة لائم، والذي يعتز باختلافه وبحريته فيرفض أن يتم تجييشه في منظمات، ويبتعد بإباء عن مؤسسات الدولة. يتمثل الكثير من الشباب نموذج أمل دنقل لأنه أيقونة حرية واستقلال في وجه كل محاولات التدجين، وهو نموذج دائما ما يلهم الشباب الباحث عن التحرر. شعر أمل لم يفارق شفاه مناضلي اليسار، حتى أبناء التيارات القومية والناصرية منذ السبعينيات، نظراً لنقده للتسلط البوليسي وللإفراط في حماية النظام على حساب التحسب للاعتداءات الخارجية وللمصالحة مع الأعداء التاريخيين للوطن العربي. لكن أمل ظهر كواحد من شعراء الثورة المصرية في يناير/كانون الثاني 2011 رغم وفاته قبل ذلك التاريخ بما يقارب الثلاثة عقود.
يعود ذلك لأمرين: أولاً لأن شعره يحوي شعارات يمكن إعادة تأويلها حسب السياق، فمثلاً عبارته الخالدة: «لا تصالح» كانت مفهومة بوصفها رفضاً لشروط السلام التي وقعها السادات مع إسرائيل، لكنها بدت في سياق ثورة يناير رفضاً لمهادنة النظام وألاعيبه التي تهدف للاحتفاظ بالحكم، وعقد «مصالحة» مع الثوار. وعباره أمل «أبانا الذي في المباحث» كانت تشير إلى عتو السلطات الأمنية الناصرية، وامتد هذا التأويل ليشمل شرطة السادات، لكن في سياق الثورة عادت العبارة ليستخدمها الثوار، كإشارة لتغول أجهزة مبارك الأمنية. إن عمومية بعض شعارات أمل دنقل الشعرية هي التي كفلت لها حياة متجددة، لتجعلها صالحة لأكثر من سياق ــ ولأكثر من ثورة ــ كأنه كان يتنبأ بالحق حين أعلن أن «أغنية الثورة الأبدية لا تموت». أما السبب الثاني لحيوية شعره وإعجاب الشباب به فهو تمرده على القصيدة الكلاسيكية واستخدامه معجما كان في وقته بسيطاً ومباشراً. صحيح أنه كان يلتزم التفعيلة والقافية، لكن المضمون السياسي المتمرد جعله على هامش شعراء الستينيات؛ وابتعاد مفرداته عن التغريب وتقصي الصعب اللذين كانا غالبين بين كثير من معاصريه الأصغر سنا من شعراء السبعينيات جعله مختلفاً عنهم. هكذا ــ بمعنى ما ــ تمرد أمل على التمرد واعتمد البساطة اللغوية وهذان عاملان يقربانه من شباب العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، بل يجعلان منه واحداً من آباء قصيدة النثر ــ التسعينية ــ على مستوى المعجم والموقف المتمرد، لا على مستوى الجماليات ولا الموقف السياسي.
تجربة أعمق من مجرّد قصائد شهيرة
ومن جهته يقول الشاعر مدحت منير.. رغم كوني شاعر عامية إلا أنني لا أنكر مدى تأثير أشعار أمل دنقل على مستوى الوعي والمستوى الجمالي والمعرفي، فقد كان من أوائل الشعراء الذين تعرفت على عالمهم الشعري، وكان أحد الروافد الأساسية كإضافة معرفية ووجدانية إليّ. وأرى أن موقف أمل السياسي والتعبير عنه شعرياً بشكل جيد، ومن خلال لغة حادة، أظهر أمل وشهره وعرّفه كشاعر لدى قطاعات كبيرة من الناس، وهذا جيد بالطبع، فهو شاعر كبير على المستوى المصري والعربي في الحقبة الحديثة، بغض النظر عن اللحظة التي فرضت عليه هذه اللغة وهذا الخطاب الحماسي، فالقصيدة ذات الحِس السياسي خدمته شعرياً وجماهيرياً، لكنها ظلمته كشاعر حقيقي، أعمق وأرق كثيراً من هذه القصائد التي أشتهر بها، وإن كنت أنا شخصياً أردد بعضا من مقاطعه الشعرية المتماهية مع الموقف السياسي، لكن يظل الشعر الحقيقي ليس الشعار وليس هذا الهتاف أو الغرض السياسي الحاد. فتجربته أشمل وتبدو مُنفتحة على الهم الإنساني الواسع، هذه التجربة التي قام هو بتلخيصها في «أوراق الغرفة 8».
خطيئة واقعنا السياسي
ويُضيف الشاعر مؤمن سمير.. أمل دنقل بالذات شاعر متعدد اﻷغراض والموضوعات ويجيد سبك قصائده وشد خيطها من البداية للنهاية بطريقة ممتازة. لقد حصرنا أمل في قصائده السياسية، ﻷن واقعنا السياسي فرض على وعينا ذلك، وتجاهلنا بحسن أو بسوء نية أو بتكاسل نقدي قصائده الإنسانية اﻷكثر فنية ربما، وأكثر قربا من شرط الشعر. لقد وقعت في فترة الجامعة مثل غيري في خطيئة التصورات الجاهزة حول دنقل، إلى أن قرأت أعماله الكاملة وفوجئت بالتعدد والتنوع في الرؤية وفي اﻷداء الشعري، ووجدت إنساناً معذبا يبتعد خطوات عن الجبار صاحب النص الذي يهيج الجماهير الذي قر في اﻷذهان ﻷسباب تتعلق بنا نحن وبواقعنا، وليس بتجربته هو. في النهاية لن يبقى من الشعراء إلا الشاعر الإنساني الذي يمتح من تجربة إنسانية مشتركة ومن أسئلة وجودية خالدة، أما مَن يضيّق من تجربته ويخنقها بظرف متغير وحدث عابر فهو الخاسر الذي يظلم نصه ويجعله يسقط في اختبار الزمن القاسي الذي لا يرحم. وبالنسبة لي أحب له قصائد كثيرة لكن ديوانه اﻷخير يظل هو اﻷقرب للروح والنفس .. هو اكتماله الإنساني الأخير وصرخته اﻷكثر عذوبة وشجنا.
فقط .. مصداقية القصيدة
ويقول الشاعر الشريف منجود.. في البداية سأتحلى بالشاعرية وأنا أتحدث عن أمل دنقل الذي يمثل نجما متلألأ في سماء الأدب العربي، والذي استطاع أن يجسد الشعر في وجداننا نحن أبناء هذا الجيل، هذا أولا، أما ثانيا فإننا نتحدث عن ذكرى شاعر مهم في تراثنا القريب، تميز عن أبناء جيله بحضوره هو وشعره في الشارع، وبالتحديد في ميدان التحرير عام 2011، ولم يستطع جيله ولا ما تلاه حتى جيلنا نحن الشباب أن يعبر بمصداقية وحماس كما عبر دنقل، رغم غيابه عنا منذ الثمانينيات وفراقة حياتنا الجسدية، وعدم رؤيته ما حدث وما يحدث وما زال يحدث ،إلا أنه حاضر وصوته يتردد في أسماع الشباب وقصائده تنشر على صفحات التواصل الاجتماعي، وكلماته يترنم بها الثوريون فقد كان بالنسبة للجميع «زرقاء اليمامة» تلك النبيّة المقدسة بطلة قصيدته الخالدة.
أما عن سؤالك الجمالي المطروح حول هل الأزمات السياسية هي التي أعطت استمرار الحياة لكلماته. وهل تم اختصاره في القصائد الخطابية التي قد تبتعد عن روح الشعر، فسأكون أكثر واقعية منه، فالحقيقة التي يجب ألا نغفلها هو أن المتلقي العادي لا يفهم معنى أن تكون القصيدة خطابية أم شاعرية، أن تكون القصيدة ذات منحى مباشر خال من ترميز الشاعر وحرفته في خلق لغة جديدة افتراضية بعيدة عن الواقع، فهذا لا يهم المتلقي العادي، الذي يمثل أغلبية الشارع، من قريب أو بعيد، فما يهم المتلقي أن يستمتع بالقصيدة وأن يراها متجسدة أمامه، سواء كانت مباشرة أو حمالة لغة واسعة، هذه واحدة، أما الثانية فهناك موضوعات وأفكار وحالة لا يمكن أن تعبر عنها سوى بالمباشرة، وأولى هذه الحالات الثورة والرفض التي لا يمكن أن تأتي خارج اللغة، وهو كان أستاذا في ذلك، فهو الرافض أبدا لكل شيء باطل، رافضا بمقولاته وأفعاله التي يشهد عليها أبناء جيله، أذكر ما قاله لي الشاعر حسن طلب وهو يحدثني عن ذكرياته مع أمل دنقل، وكيف أنه كان صلبا ورافضا للتملق والحقد والقيم الفاسدة في المجتمع وهذا ما يشهد عليه مقهى ريش، ألم يقل «لا» في وجه من قالوا «نعم».
غياب الرؤية النقدية
ونختتم برأي الشاعر عماد فؤاد إذ يقول.. ثلاثة وثلاثون عاماً مرت على رحيل الشاعر المصري أمل دنقل، صاحب الصوت النافر الذي أطل على قراء الشعر في بدايات عام 1969 بمجموعته الشعرية الأولى «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة»، ثم توالت مجموعاته الشعرية اللاحقة لنقرأ: «تعليق على ما حدث» 1971، و»مقتل القمر» 1974، ثم «العهد الآتي» 1975، و»أقوال جديدة عن حرب البسوس»، الذي صدر سنة رحيله 1983، وبعد رحيله صدر ديوانه الأخير – والأهم من وجهة نظري – «أوراق الغرفة 8» سنة 1983.
اليوم، وبعد كل هذه السنوات التي مرت على رحيل أمل دنقل، لا يزال هناك الكثيرون ممن يستشهدون بقصائده السياسية الزاعقة، تلك التي يعتبرها البعض الأبرز في تاريخه، مثل قصيدته الشهيرة «لا تصالح» التي كتبها اعتراضاً على توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، وقصائد مجموعته الشعرية «العهد الآتي» على اختلافها، ومن أبرزها: «سفر التكوين» و«سفر الخروج» و«من أوراق أبي نواس» وغيرها، طغت هذه القصائد بشهرتها وصوتها الزاعق على قصائد أمل الشعرية الصافية، ولم يعد أحد يتذكر مجموعته الأخيرة «أوراق الغرفة 8»، التي كتبها أثناء معاناته مع مرض السرطان، إلا قلة من العارفين بمشوار الشاعر الكبير.
ظُلِمَ أمل دنقل حياً وميتاً، خاصة في غياب رؤية نقدية لمنجز الشاعر ككل، رؤية تفند قصائده وتعيد إليها مكانتها الحقيقية، وربما ساهم في هذا الظلم عدم وجود نقاد من الأجيال الجديدة، من القادرين على رد الاعتبار إلى أمل دنقل وقصائده، التي استطاع من خلالها رسم مشاهد شعرية غير مسبوقة في الشعرية المصرية التي كانت سائدة في الستينيات من القرن الماضي، والتي جعلت اسم أمل دنقل ينافس شعرية صلاح عبد الصبور العميقة، وأحيلك هنا إلى قصائد ديوانه الأخير «أوراق الغرفة 8»، ومن أهمها «الورقة الأخيرة ـ الجنوبي»، و«زهور» و«السرير»، و«الطيور»، و«الخيول» وغيرها، في هذه القصائد الهامسة يرسم دنقل مشاهد درامية للأشخاص المحيطين به، أو ممن عرفهم في شبابه وطفولته، ومن بينها هذا المشهد الآسر:
«من أقاصي الجنوب
أتى عاملاً للبناء
كان يصعد «سقالة»
ويغنّي لهذا الفضاء
كنتُ أجلس خارج مقهى قريب
وبالأعين الشاردة
كنت أقرأ نصف الصحيفة،
والنصف
أخفي به وسخ المائدة.
لم أجد غير عينين لا تبصران
وخيط الدماء
وانحنيت عليه.. أجسّ يده
قال آخر: لا فائدة
صار نصف الصحيفة كل الغطاء
وأنا ..
في العراء».