تصدير الثورة
من المهم ان نذكر في هذا السياق ان النظام الايراني يقوم على مبدأ ان الزعيم الروحي يتلقى سلطته الدينية من السماء أو من ‘الامام الغائب’ اذا شئنا مزيد الدقة. وفي وقت غياب ذلك الامام الغائب ووجوده هو أساس العقيدة الشيعية، يكون الزعيم الروحي هو الذي يقود الشيعة لا في ايران فقط بل في العالم كله. ومن هنا جاءت رغبة آية الله الخميني، والد الثورة الايرانية، في توسيع الثورة الى كل صقع ممكن من أصقاع المعمورة، ولا سيما كل مكان فيه شيعة. ومع كل الاحترام للمرشحين الستة فان التصويت الذي يشارك فيه كثيرون في الانتخابات هو تعبير عن الثقة بالنظام. وفي مقابل ذلك فان نسبة مشاركين منخفضة توحي بعكس ذلك بالضبط. ومن هنا تأتي نية معارضي النظام والمنضمين الى الحركة الخضراء ان يقاطعوا الانتخابات. ولا يجوز ان ننسى ان ايران هي جمهورية اسلامية في الحقيقة لكنها جمهورية يفترض ان يصوت المواطنون فيها.
يتمتع نظام آيات الله منذ سنين بتأييد واسع، رغم مشكلات ايران الصعبة. بيد أنه حدث في السنوات الاخيرة خفوت كبير للعلاقات بين الشعب والنظام. وكان يمكن ان نرى هذا في الاضطرابات الشديدة سنتي 2000 و2003 وكانت ذروة ذلك بالطبع في 2009.
لا شك في ان النظام الايراني تلقى ضربة. وأصبح اسم لعبة النظام الايراني اليوم هو البقاء في الداخل والخارج. يفترض ان يحمي الحرس الثوري بقاء النظام في الداخل، أما المشروع الذري فيحمي من التهديد الخارجي. وهذا هو السبب الذي لا يدع أحدا من المرشحين يتحدث البتة عن التخلي عن المشروع الذري، فضلا عن وقف تخصيب اليورانيوم لأن ذلك يناقض منطق آيات الله.
أمر من السماء
إن خامنئي قلق من ذلك. كان يكفي في الماضي ان يأتي الزعيم الروحي الى صندوق الاقتراع كي يجعل المواطن يدرك ان الحديث عن أمر من السماء وأنه يجب عليه ان يحضر. بيد أن هذا النموذج المحتذى لم يعد ناجحا اليوم، كما كان ذات مرة. فليس عجبا ان خامنئي قلق.
‘إن الانتخابات هي رمز تمثيل الأمة’، قال خامنئي في الآونة الاخيرة محاولا أن يستحث الناخبين. ‘إن الاسلام أخذ يصبح أكثر شعبية في العالم وستُهزم مؤامرات أعدائنا. إن حضوركم الى صناديق الاقتراع يقوي الاسلام’، أضاف في خطبة تلفازية.
والى ذلك أُرسل للمعركة واحد من كبار آيات الله القدماء في النظام وهو محمد قشاني عضو مجلس الخبراء الايراني، الذي قال في خطبة له إنه ‘يجب ان يصوت الشعب كي يدرك العدو مبلغ عدم معنى عقوبات الغرب. إن الامتناع عن التصويت للثورة هو تصويت للعدو. ولهذا السبب فان الامتناع عن التصويت خطيئة’. ويرى خامنئي ان الانتخابات هي استفتاء للشعب بقدر أكبر، فليس للفائز معنى لكن عدد المصوتين ذو معنى كبير.
ولمزيد الأمن يشتري النظام اصواتا ولا سيما من فئات السكان الفقيرة. في الـ15 من شباط/فبراير هذا العام قالت الصحيفة المحلية ‘كرغار’، ان الزعيم الروحي أمر بسبب الوضع الاقتصادي الصعب بمنح الشعب مبلغا من المال لمساعدته. وقد أيدت الطبقة الدنيا في ايران الثورة دائما. لكن الطبقة الوسطى هي مشكلة خامنئي، وهكذا يُضمن لخامنئي 15 مليون مصوت ينفق النظام عليهم وهذا غير كاف.
حتى لو حاول النظام ان يطمس على شدة الوضع الاقتصادي في الدولة فان الواقع يتحدث من تلقاء نفسه. فالتضخم المالي السنوي يبلغ 30 في المئة على الأقل وانخفضت عائدات النفط الى النصف بسبب الحظر الذي فرضه الاتحاد الاوروبي على ايران في يونيو. والبنوك في ايران مقطوعة عن شبكة البنوك الدولية وهو شيء يضر بالتجارة في الدولة. أما قيمة العملة المحلية فتتهاوى، بل إنهم بدأوا في البازار حيث كانوا يؤيدون النظام تاريخيا، يفقدون صبرهم: ‘أنا تاجر سجاد’، يُبين أمين لمراسلين اجانب جاءوا اليه، ‘ولم أبع منذ شهر في حانوتي حتى سجادة واحدة. إن العمل سيئ. لا يوجد دخل ولهذا ليست عندنا حتى قدرة على شراء شيء قليل من الكماليات كهاتف محمول كوري’.
وتحدث أمين الذي أجرى التلفاز البلجيكي لقاء معه، كيف ارتفع حساب كهربائه في الحانوت من 3 آلاف ريال الى 18 ألف ريال (أي بزيادة 600 في المئة). ‘نحن في ايران مرتبطون بالدولار ولما كان الدولار قد ارتفع ارتفع كل شيء’، يقول.
قيود على الصحافة
عقد أول أمس في باريس مؤسس حركة ‘الموجة الخضراء’ أمير حسين جنشاحي مؤتمرا صحافيا كشف فيه كما قال عن وثائق مصدرها محافظ البنك الايراني تشهد على الوضع الكارثي للاقتصاد الايراني.
‘إن المرشحين يكذبون على الشعب ولا يقولون الحقيقة’، قال مُفسرا، ‘بل إن طهران تنوي مصادرة مدخرات الجمهور في البنوك، وسيفضي هذا الى غضب شديد. إن النهج كله أصبح راكعا’، تحدث في المؤتمر الصحافي. ‘إن حكومة ايران مسؤولة عن وضع الشعب الايراني هذا. والاقتصاد ينهار في وقت تنفق فيه الدولة على منظمة حزب الله، وتفعل فيه ايران كل شيء لاحراز قنبلة ذرية’.
اجل إن سكانا من ايران يتحدثون عن مزاج عام شديد الانخفاض قُبيل الانتخابات. فلا يوجد هناك جو احتفال، ويقولون إنه لن تفاجأهم أن تكون نسبة المصوتين هي الدنيا منذ كانت الثورة. ويحاول مؤيدو المرشحين هنا وهناك تهييج الساحات العامة لكن بنجاح محدود جدا. واهتم النظام ايضا هذه المرة بتقييد الصحافة لمنع تغطية غير مشجعة للانتخابات.
يتوجه الايرانيون اليوم للتصويت مُتذكرين بالطبع أحداث 2009، وكانت اسبوعي عنف شديد في شوارع طهران وكانت أقرب الاشياء الى الثورة التي عرفتها الدولة منذ 1979. ‘كان الناس آنذاك شديدي الحماسة. واعتقدوا أنهم متجهون الى تغيير الدولة ورأوا ان التصويت على احمدي نجاد هو تصويت على النظام وتصويت على خامنئي’، يقول لي قمران (اسم مختلق)، وهو صحافي ايراني عرفته حينما كنت أمكث في باريس.
ليس لهذه الانتخابات بالنسبة لاسرائيل معنى كبير لأنه ليس للرئيس المنتخب أي تأثير في سياسة بلاده الخارجية، لأن الزعيم الروحي يُدبرها ويوجهها، وحتى لو وافق خامنئي على ان يهب لرئيسه الجديد صلاحيات فمن المؤكد أنه سيُبقي لنفسه المواضيع الحساسة وستشمل في جملة ما تشمل اسرائيل وسورية والموضوع الذري بالطبع.
وهكذا يمكن ان نقول اليوم انه سيكون لايران رئيس جديد لكن النتيجة ستكون مشابهة. أو اذا شئتم سيكون هناك رئيس جديد ولن يكون هناك شيء جديد.
اسرائيل اليوم 14/6/2013