في 9/4/2003 اعلن العراق رسميا بلدا محتلا من قبل القوات الامريكية وبالتعاون مع الحليف الايراني، ولم يكن بمقدور الشعب العراقي تصديق او تفهم حقيقة ما حصل بعد الاحتلال، حيث تحول العراق الى شبح يطارد حياتهم بكل تفاصيلها اليومية، من تفجيرات وقتل منظم، ونشأت مرحلة جديدة من مؤامرة تستهدف العراقي ومرحلة اسست الى استباحة الدم، عبوة ناسفة، سيارة مفخخة، مخدرات، اسلحة كاتمة للصوت، وعملية سياسية فاشلة وانواع اخرى لا يعلمها الا الله…. مصطلحات جديدة لم نكن نسمع بها ولم تخطر على بال اي عراقي قبل 2003. يمكن ان ابدا بهذه المقدمة السوداوية والمُتشائمة، نعم عراق مفخخ في كل لحظة ينفجر، تارة سياسيا واخرى امنيا، ولو سلطنا الضوء على الملف الامني نلاحظ ان هنالك دقّة في التفجيرات واماكن استهدافها تبعث الى اسئلة كثيرة لا حصر لها. والمراقب للساحة العراقية يلاحظ مدى السيطرة والنفوذ وسرعة التنفيذ، والمساحة الواسعة للاختراق لتنفيذ العمليات واللعب على الاوراق بهدوء. ان مسلسل التفجيرات الاخيرة الذي استهدف مساجد للعرب السنة، وسلسلة التفجيرات الاخرى التي تعصف يوميا بالعراق هي تفجيرات منظمة تستهدف كل احياء العراق، فالتفجير الذي يضرب الانبار نفسه وبنفس التوقيت يضرب البصرة، والهدف واحد ابرياء يسقطون، اما الرسالة والمقصود منها واحد، اننا نتحكم بالعراق امنيا ونضرب كيف نشاء ومتى نريد ولنا السيطرة والتحرك بحرية لنفوذ .هؤلاء لايهمهم الدم العراقي ان كان سنيا ام شيعيا، هدفهم نعمل تحت شعار اعادة العراق الى المربع الاول، وجعل الشارع والناس تعيش في حيرة من امرها وقلق وتوتر ورعب، والقول السنة تضرب الشيعة والشيعة تضرب السنة هذا واضح، وبالتأكيد هم جناح تابع لدول اقليمية لها نفوذ ونشاط ولهم الحرية بالتحرك وفق غطاء شرعي، ويمتلكون هويات خاصة وسيارات مخولة بالتحرك من دون اي ازعاج. في الاونة الاخيرة شهد الملف الامني العراقي انتكاسة خطيرة تمثل باستهداف عدد من المساجد بعبوات ناسفة واغتيالات باسلحة كاتمة لقادة الحراك الشعبي في المحافظات الست المنتفضة، بالاضافة الى استعراض الميليشيات علنا امام انظار الحكومة والتهديد بقتل الناس، الذي سرعان ما ترجم على الارض. وبحسب المنظمات الدولية العالمية فان الاشهر القليلة الماضية سجلت اعلى نسبة للقتل 1000 قتيل عراقي، وهو تطور خطير في الملف العراقي الامني المثير للجدل، اضافة الى عمليات القتل المتنوعة بين سيارات مفخخة واسلحة كاتمة للصوت وقتل على الهوية، والمتابع تحديدا للقراءة الامنية، يرى ان سلسلة التفجيرات لم تهدأ، وكلما تخاصم السياسيون العراقيون في مرحلة من المراحل، تزداد عمليات الاغتيال ولكن اليوم يبدو ان الطريقة تغيرت تماما مع انتشار الميليشيات بالصوت والصورة، فالعمليات اصبحت اكثر فعالية وانشط حركة وقوة وهذا ما لا يدع مجالا للشك ان هذه الجماعات بدأت تدير العمليات بشكل رشيق وتعمل تحت الاضواء من جديد. اتابع بعض التحليلات من كبار المحللين والمسؤولين بالشأن العراقي والعربي واحترم كل الآراء، خصوصا الشأن الامني بان ما يجري من عمليات قتل في العراق هو نتيجة تشابك الاحداث الاقليمية في المنطقة، كما حصل مؤخرا في سورية جارة العراق، والتضليل عما يحدث هناك وخلط الاوراق وشغل الاعلام الدولي بحرق الارض العراقية، وان احداث سورية بدأت تدريجيا تنعكس على الملف العراقي، ذلك ممكن والاخطر في التحليل القول انه بسقوط بشار الاسد فان العراق هو البلد المرشح للانهيار بعده، وان ابواب جهنم سوف تفتح على مصراعيها لحرق الاراضي العراقية، لكني لا اتفق معهم جملة وتفصيلا من الناحية الامنية، لجملة من الاسباب اولها ان التفجيرات والاغتيالات في العراق ليست وليدة اللحظة، واود الاشارة الى مسألة مهمة، هي ان الساحة العراقية هي ساحة تأزم وشدّ وجذب بين اقطاب العملية السياسية، وبين مخابرات الدول الاقليمية منذ احتلال البلد، والجارة سورية متمثلة طبعا بدائرة الحكم فيها هي من اشعل العراق لفترة من خلال ارسال السيارات المفخخة والمقاتلين العرب، هذا ما تؤكده حتى الحكومة العراقية، ولا انسى ايضا ظهور نوري المالكي الشهير في مؤتمر بعدما اتهم واصفا نظام الاسد بقاتل العراقيين، هذا لا يُنكر فهو جزء من تركة الاحتلالين المتحالفين الامريكي والايراني، لكني اتفق معهم سياسيا، واعتقد ان موضوع العراق بالنسبة للاعلام العربي والاجنبي اصبح مادة غير دسمة، بمعنى ان الخبر العراقي صار عاديا ومألوفا والحديث بالشأن العراقي يكدر المزاج، هم يبحثون عن الدول الاكثر سخونة للتركيز عليها اعلاميا، وقد يغيب عن الكثيرين ان ايران الآن جعلت من العراق قنطرة للعبور لدعم نظام الاسد، وحقيقة الامر ان ايران بدأت تخسر نفوذها على الاراضي السورية، ومن المستحيل او التفكير بخسارة اقليمية جديدة، العراق مثلا. اما الشق الثاني السياسي فلم يتوقف مشروع الاحتلال بتدمير العراق عند حد سحقه بالتفجيرات والقتل ورعب الناس، بل تعداه الى تأسيس لعملية سياسية فاشلة ونظام سياسي مضطرب لم يفلح في رص صفوف طوائفه والعمل تحت عنوان الشراكة الحقيقية والمشاركة الفاعلة، بل عمد الى خلق الازمات وتحويل مشروع السياسة الى برميل متفجرات، شرارة واحدة تشعله والعودة بحكم العراق الديمقراطي الى الوراء للحاكم المستبد وتشويه صورة العراق اقليميا، نظام حقيقة يدل على غباء صانعيه وفشل متصدريه. قصة الامن والسياسة في عراق ما بعد الاحتلال شائكة ومعقدة والحلول بسيطة، ليس بوضع الخطط ونشر الجنود وارباك المشهد اكثر فاكثر، وانما ما لم تنسحب دول بعينها وترفع يدها واجهزتها المسيطرة والمتحكمة بالورقة العراقية الامنية والسياسية معا، والاهم ولادة حكومة عراقية تعمل بصدق تجمع ولا تفرق، وخلاف هذا فلن نرى الا مزيدا من الدماء تسيل وارواحا تغادر الاجساد كل ذنبها انها ولدت على ارض الرافدين.