عمان ـ من نضال القاسم: غيّب الموت الشاعر الأردني نادر هدى الذي توفي إثر مرض عضال، ويعد من أبرز شعراء قصيدة النثر في الأردن، من مواليد بلدة كفر يوبا عام 1961، درس العلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية في بيروت، وهو عضو رابطة الكتاب الأردنيين واتحاد الكتاب العرب ورئيس سابق لملتقى إربد الثقافي لعدة دورات.
أثرى الراحل الذي جرى الاحتفاء بمنجزه الشعري بيت الشعر العربي التابع لرابطة الكتاب الأردنيين حديثاً، الحياة الثقافية الأردنية والعربية بالعديد من دواوين الشعر، التي صدرت بين عمان وبيروت منها: «مسرات حجرية» 1985، «حبر العتمة» 1992، «لن تخلصني مني» 1993، «مزامير الريح» 1993، «عالم لست فيه» 2000، «كذلك» 2001، «أنت» 2004، «سأعد أيامي بموتك» 2004، «أروى» 2006، «نار القِرى» 2007، «حدائق القلق» 2007، «ماء الغواية» 2013.
وقال عنه الناقد المغربي محمد خرماش: «في شعر نادر هدى صراع مرير مع اللغة التي تعجز عن حمل الشحنة عالية التوتر في صدره، فيضطر إلى استحداث التركيبات الخارقة التي يحملها فوق الطاقة فتأتي بالدلالات محملة بإمكانات التوليد والتأويل».
وقد كان نادر هدى، شاعر قصيدة نثر بامتياز، أخلص لروح الشعر فيها، استجابة لواقع قلِق مُقلِق، وكان هاجسه دائماً إعادة تشكيلها وفقاً لرؤاه، فصارع التباساتها والمؤثرات المهدِّدة لها، وقد أصبحت سِمة الواقع والجيل الذي نشأت فيه، فتجلى صوته من خلالها ليصبح صوتاً متفرداً، يستشفَّ رؤى المستقبل بخطى الواثق، جاعلاً من قصيدته نوعاً أدبياً عابراً للأنواع، وهو الذي شاءها قصيدة التمرد والتجاوز والتخطي والفضاءات، إذ راهن على أنها قصيدة المستقبل، استجابة لواقع الحساسية الجديدة في إعلاء شأن المعنى في الشعر، بعيداً عن الإكراهات التي استبدت جداراً معيقاً لرؤى التطور الأدبي والثقافي، والتماهي مع الآخر، انطلاقا من أحقية الشعر في التأثر والتأثير، وبالتالي إعلاء شأن الرؤيا في الشعر، بعيداً عن «أحسنت، وأجدتَ … وأعدْ»، فلم يعد الشعر ديكوراً وتطريباً وفقاً لمشيئة الحاكم بأمره، أو وفقاً لمشيئة المتسيّد بمحمياته النفسية.
وقصيدة النثر عند نادر هدى، هي قصيدة: الهوامش، والإشارات، والتفاصيل، والحوار، والمونولوج الداخلي، والإجراءات البلاغية، والأنساق الإيقاعية، والنبر الداخلي، والتشكيل اللغوي، والنصي والبصري الذي جعل منه ميداناً شاسعاً لتجربته، فمثَّل خصوصية يشار إليها بالبنان، استهوت الكثير من رواد التجريب الشعري. في الشكل كتب القصيدة الطويلة، كما كتب القصيدة القصيرة، ما عرف تسميتها بالتوقيعة/ الومضة/ الملصقة/ اللافتة، وقد سماها قصيدة (الفاكسات) في بعض عنوانات قصائده من ديوان «كذلك». كما سماها إيماءات في ديوان «سأعد أيامي بموتك»، وتماثلات كما في ديوان «حدائق القلق»، وفي كل ذلك كان التشكيل رفيقاً لنصه الشعري، جاعلاً منه رافداً بصرياً، ليستفز العين والأذن معاً، منذ ديوانه الأول «مملكة للجنون والسفر» 1984، ولعلَّ ديوانيه «عالم لست فيه…؟!» و «نار القِرى» خير شاهدٍ على ذلك.
كما تشاكل نصه مع المعنى ليواكب المعاصرة، والمعنى وحده ما كان الموجه لنصه، فنادر هدى يعيش في قلب المواجهة، كما يعيش التاريخ في نبض نصه، وهو لم يألُ جهداً يبدع النص المثير والمدهش مغامراً في قلب المستقبل؛ قلب الرؤية والرؤيا في آن.
وتكمن أهمية مشروعه الشعري في ثراء الأسئلة التي نراها من خلال النقد الذي يواكب مسيرته الشعرية، فلا غرو إن وجدنا خلاف الرأي وثراءه الذي يتنازع تجربته كاستجابة لتنوعها وثرائها، وهذا ما يُعَبِّر عنه قوله: « لم تكن القصيدة، ولن تكون بالنسبة لي محض شكل أسهر على تأطيره – على أهميته – بل روح باعثة وملهمة، ونتيجة في ميادين الفكر والإنسان، لتكتسب جوهر معناها الحيّ».
ولج نادر هدى التراث من أوسع أبوابه كأحد الروافد والاستحضارات المخصّبة للنص الشعري، فأفاد منه مطوراً إياه على نحو خلاق، إذ وقف على الطاقات الكامنة فيه، وأحسن توظيفها على نحو أثرى الواقع بإسقاطاته، فكان للشخصيات الدينية والتاريخية والتراثية والأسطورية مجال في شعره أعاد من خلالها السؤال والجدل، كما شكَّل الوطن هاجساً قوياً لديه، فجاءت قصائده ملتزمة بهمومه وقضاياه، كما شكل التزامه بهموم الأمة سؤالاً حضارياً وإنسانياً منذ إطلالته الأولى في تجربته الشعرية: «وهو مؤمنٌ بأن الحضارة لا تخلق إلاّ من الإبداع، ومن رحمة تتسامى، لأنه بالنتيجة: القيمة الحقة في معاني الإيمان والبيان: ثمار يانعة، ودنيا كريمة».
ومن هنا نفهم، قول ابتسام مرهون الصفار:» وجدناه بحق شاعر الوطنية والقومية والإنسانية الصادقة، أحسّ بهموم الأمة والوطن وآلامهما فأجاد تصويرهما من نبع روحه ووجدانه فيوضات من الأمل».
إن تجربة نادر هدى الشعرية، التي توَّجها بسيرته الإبداعية (مشارب الرَّهبة) تعبر عن منحى لهُ تميِّيزه وخصوصية في المشهد الشعري الأردني المعاصر، والمشهد العربي على السواء، بوصفها لا تعيد إنتاج بلاغة جاهزة أو تحاكي تجارب سابقة؛ إنها مهوسة بتأسيس مشروعها الشعري إلى جانب فعاليات شعرية أخرى تشترك في المشروع نفسه الذي يتوخى تأصيل الحداثة.
ونتوقف عند حفناوي بعلي في «أحلام زمن الطفولة وسحر المكان في شعريات نادر هدى» قوله: «يتميز نادر هدى عن بقية شعراء جيله بتطرقه لموضوعات شعرية جديدة محايثة ومتناغمة مع تطوره الشعري، ومع التطورات الحاصلة في الشعرية العالمية، واستلهامه لمختلف موضوعات «اللحظة الراهنة»، اللحظة المقتنصة للواقع، والممتصة لحرائق الفجائع . انه «شاعر التفاصيل اليومية». وصولاً إلى اعتباره: «شاعر العاطفة والسحر «. ويضع الناقد حفناوي بعلي، نادر هدى «في مصاف المبدعين المجدّدين، من جيل الحساسية الجديدة في القصيدة النثرية العربية المعاصرة، وإعادة تشكيلها وهيكلتها، بحيث حولها إلى نص مفتوح عابر للأنواع، لما أصاب من نجاح في بنائها؛ كان بمثابة دعوى لشعراء عديدين من جيل التسعينيات، ونهاية الألفية الثانية، إلى الالتزام بها وسيلة للتعبير الشعري». وقد بنى (نادر) شعرياته على أشكال جماليات الجملة المنبعثة من يقظة التجديد وتجديد اليقظة «، وذلك من خلال: «النزعة الإنسانية التي تبدو في أحسن تجلياتها لديه وأعمقها أثراً، حين تمتزج بالمشاعر الوطنية وبحميمية الأرض، والتعاطف مع الحياة البسيطة، ومع الطفولة الحالمة، في إيقاع شعري شجين شفيف الحزن، فهو يقدم صوراً ناطقة مجسدةً للمأساة، مستعيناً بالرمز والتداعي، ويعتمد الأسلوب القصصي والدرامي ويراوح بين الحقيقة والأسطورة، كما ينتقل من العجائبية والفانتازيا إلى الشعبي الواقعي».
ومن هنا نفهم مذهبه في: «اعتبار نادر هدى من بين السبَّاقين في الطرح السياسي في كتابة القصيدة، مثل ديوانه (عالم لست فيه…؟!). ولعله أول من أرهص بعرس الدم في لبنان والصراع الطائفي، من خارج لبنان، كما أنه تناول الأزمات التي حاقت بوطننا الكبير». وفي معرض السبق فهو عند حفناوي بعلي: «راعي شعرية الماء بلا منازع في المشهد الشعري الأردني»، « فالحرف ماء الخلق» إذ «ينطق جسد الأنثى بنار الكتابة»، «في شعريات الصوفي والشاعر والفنان والحكيم معاً».
«لذلك يمكننا أن نزعم أنه لا يمكن فهم كتابة نادر هدى وشعره، والاستدلال على مناطقه الثرة وكشف أسراره، إلاَّ من خلال المرأة هذه المرأة المباركة، التقية، النقية، البتول». «فسيرته في الحياة والإبداع مرهونة بالمرأة/ الآخر، ومسورة بآفاقها وحالاتها». وهذا مكمن سِرِّ (هدى)، وحلم ومعنى ورؤيا الإبداع عند نادر هدى.
والخلاصة فإنني سأختتم بما قاله هادي نهر عن الشاعر الراحل نادر هدى في كتابه «المضامين الإنسانية والتشكيلات اللغوية في شعر نادر هدى»: «إن نادر هدى شاعر يعرف قيمة الشعر ووظيفته، مهتم بقضايا الإنسان، شاعر يكتب بريشة فنان عاشق وحبيب، ومقاتل لا ينكسر، ولهذا أودع شعره روحه، وشرف إنسانيته، ومطامحه وآماله وحبّه، مقترنة كلّها بمشاعر الآخرين وقيمهم ومطامحهم وآمالهم .»