نظريات الثورة تُمثل الملف الأكثر تعقيداً في العلوم السياسية الحديثة، وتُعتبر من الموضوعات الجدلية التي انشغل بها أغلب فقهاء السياسة في التاريخ الحديث على اختلاف مدارسهم الفكرية وانتماءاتهم وتياراتهم، ولذلك فإن لــ»الثورة» تعريفات كثيرة، كما أن أسبابها ومساراتها تظل متباينة بحسب المدرسة السياسية، وبحسب المفكر الذي تناول الظاهرة.
وتشير أغلب نظريات الثورة إلى أن «المسار الثوري» عادة ما يكون طويلاً، ويتكون من مراحل متعددة، فضلاً عن أن التجارب الثورية في التاريخ جميعها تؤيد فكرة أن الثورة عبارة عن «مشوار طويل» وليس حدثاً عابراً يُحدث تغييراً جذرياً خلال فترة قصيرة من الزمن، إذ أن التغير الاجتماعي لا بد أن يستغرق وقتاً طويلاً، وإن كان طول الوقت مسألة نسبية، تتغير بحسب المكان والزمان وطبيعة التجربة.
في القرن الماضي شهد العالم ثلاث ثورات رئيسية: الصينية، والروسية، والإيرانية، وفي الثورات الثلاث، حاولت الأنظمة البائدة استعادة السلطة، وحاول المتضررون مصلحــــياً إفشـــال الثورة، وفي كل حالة من الحالات الثلاثة الماثلة أمامنا شهدنا عنفاً ثورياً وشهدنا «ثورة مضادة»، لكن العنف سرعان ما انتهى، والثورة المضادة سرعان ما انحلت، لأنها ليست سوى حركة ارتداد طبيعية كتلك التي تشهدها منحنيات الأسهم والبورصات بعد كل عملية انهيار أو هبوط حاد؛ إذ تحدث ارتدادة بسيطة وسرعان ما يواصل المؤشر رحلة النزول إلى الأسفل.
من يُعيد قراءة تاريخ الثورات الحديثة التي شهدها العالم يُدرك أن التغيير خلال 18 يوماً، كما ظن بعض المصريين، أو التغيير خلال أسابيع، كما ظن بعض المتفائلين العرب، أمر مستحيل الحدوث، فإسقاط نظام مبارك في 18 يوماً ليس سوى خطوة واحدة في مسيرة التغيير، ولا يمكن أن يكون التغيير كله، كما لا يمكن أن ينتقل الناس من الظلمات إلى النور، أو من النار إلى الجنة خلال 18 يوماً، أو خلال أسابيع قليلة أو شهور معدودة.
التاريخ الثوري في العالم الحديث يؤكد على أنَّ التغيير الاجتماعي الشامل والجذري يحتاج إلى وقتٍ طويل، وأن إعادة ترسيم العلاقة بين الشعب والحكومة وإبرام عقد جديد بين الحاكم والمحكوم مسألة تحتاج إلى وقت طويل ومراحل عديدة، ومن بين هذه المراحل مرحلة «الثورة المضادة»، التي تمثل «رعشة الروح» لدى النظام البائد، وهي مرحلة غالباً ما تتسم بالعنف، وغالباً ما تحتاج إلى بعض الوقت، لكن التغيير يتواصل بعدها، وهذا ما حدث بالضبط في حالة الثورة الصينية، التي استمرت في الحقيقة نحو 10 سنوات، حتى استقر التغيير في البلاد، وكذا الحال بالنسبة للثورة الروسية التي شهدت العديد من المنعطفات، واستغرقت وقتاً طويلاً قبل أن ينتهي الحال إلى التغيير الشامل في روسيا وتأسيس الاتحاد السوفييتي.
خلاصة القول هو أن الثورات المضادة التي نجحت في العالم العربي ليست سوى مرحلة من مراحل التحول التي تشهدها المنطقة العربية، تماماً كما أن ثورات «الربيع العربي» كانت بداية مرحلة التغيير، وتمثل الثورة والارتدادات اللاحقة لها حركة طبيعية في مسار التغيير الشامل، وهي حركة لا بد منها من أجل الوصول إلى حالة «إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع من جديد على أساس عقلاني»، وهي الحالة التي يرى المفكر الألماني المشهور فريدريش هيغل أنها النتيجة المنطقية لأي ثورة، بل هي الثورة ذاتها.
٭ كاتب فلسطيني
محمد عايش