حروف تبحث عن نقاط!’

حجم الخط
3

سوف تبدو اية محاولة لفهم ما يجري الان في واقعنا العربي بمختلف أبعاده وتموجاته اذا عزلت عن الأربعة عقود الماضية مجرد توصيف خارجي لسطح المشهد.
والكلام كله منصرف الان الى ما انتجته استراتيجيات التجزئة وادامة التخلف وتَقْنيعه بمختلف مساحيق التجميل، وذلك على حساب التحليل المُعَمّق والحَفْريّ في عقود التّجريف والاستنقاع والبطالة الفكرية التي مهدت لهذا الواقع، فالاضطراب والخلل الذي اصاب البوصلات كلها سياسيا وثقافيا وحتى تربويا هو حصيلة فائض المكبوتات، بل هو تراكم مديونيات اضاف اليها التّسويف والكسل الذهني نسبة من الربا.
ذلك لأن التاريخ مُرابٍ لكن على طريقته، وما يقال عن تسديد الديون بأثر رجعي هو التعبير السهل والمتداول عن ربا التاريخ، والعقود العجاف التي عاشها جيلان على الاقل من العرب شهدت انماطا من التجريب في مختلف الحقول اوشك فيها هذا الكائن ان يتحول الى قِرد او فأرٍ ابيض، حدث هذا في الاقتصاد وانماط الانتاج بدءا من تجارب القطاع العام وما سمي التسيير الذاتي والطريق اللارأسمالي، حيث انتهت هذه الدراما الاقتصادية الى خصخصة بالغة التوحش ضاعفت من نسب الفقر والبطالة، وشهدت تسللا طبقيا اربك التضاريس الاجتماعية كلها، فلا خطوط طول ولا خطوط عرض، بل ثمة خط استواء واحد تقاس عليه الظواهر كلها، وثقافيا لم يكن الحال أفضل من ذلك، لأن تلفيق الانتلجنسيا من موظف السلطة والمستولد بانبوب الحزب او الاكاديمي الذي يصبح أعور في بلد العميان الأمييّن لم يُرسخ اي تقليد او حتى معيار تقريبي، وما ساد من الثقافة نَشراً وقراءة وتَسويقا مهرجانيا خلال تلك الحقبة كان بمثابة جراحة غليظة استأصلت القلب وأحلت مكانه زائدة دودية، فالوقائع ليست مُنقطعة عن مقدماتها، وهذا استقراء منطقي وليس مجرد هواجس عن المؤامرة، ذلك لأن كلمة مؤامرة باتت بحاجة الى اعادة تعريف كي تُحرّر من دلالاتها المبتذلة، فالاستراتيجيات الكبرى التي ترسمها الدول الكبرى الطامحة الى التمدد والبحث عن مجالات حيوية هي مؤامرات لكن من طراز آخر لا علاقة له بثقافة النّميمة، وهنا سأورد مثالا واحدا عن تغيير مناهج التعليم في فلسطين بعد حزيران 1967، فقد وجدت ان ما تم تغييره من كتاب كامل للصفوف الاعدادية بعد احتلال الضفة والقطاع هو كلمة عاد العربي مُنتصراً، وذلك على سبيل التمثيل للحال في النحو، واصبحت : عاد العربي زائرا، ومنذ ذلك الوقت لم اجد الاجابة عن سؤال مزمن هو لماذا سميت رحلة السادات الى اسرائيل الزيارة؟ فقد استخدمت هذا المصطلح معظم المجلات والصحف ومنها صحف ومجلات فلسطينية كانت تصدر في بيروت وتمثل اتجاها سمي الصّمود والتصدي.
ما اعنيه ان التلميذ الفلسطيني الذي قرأ عبارة عاد العربي زائرا، استقر في وعيه ان العربي اذا عاد الى فلسطين فسيكون زائرا فقط، وهذا ما حدث بالفعل، وهناك مئات وربما ألوف الكتب والكراسات صدرت في عواصم عربية كأن هدفها تأصيل وترسيخ نظم سياسية واحيانا ابتكار سلالات تمنحها شرعية غير أرضية، ولعلّ هذا ما دفع السادات بفكاهته الغليظة الى القول : كلهم ابناء امراء المؤمنين، فهل نحن ابناء كلاب؟ ما حدث ثقافيا هو استبدال الغرابيل النقدية بأخرى اعلامية وصحفية دعائية بحيث تسرب القمح وتكوم الزؤان وذهب السّمين ومكث الغثّ ولم يكن كل ذلك التجريف والتسطيح الا مقدمات لخلق جيل أعزل من الوعي المفارق للسائد وكأن تنقية الكعكة من أية أجسام صلبة كان الهدف منه هو ان تستطيع السكين حتى لو كانت عمياء ان تواصل التشطير بلا أية مصدات.
كانت الثقافة التي تجرّ عرباتها بغال الإعلام، صدى لواقع سياسي حوّل الخصخصة الى مناخ شامل ومتجاوز للاقتصاد، فما من بلد عربي لم يرفع شعار أنه الأول، دون ان يدرك بأنه الأخير ايضا، لأن الاخرين هم ايضا اوائل وتلك هي مسودات اولى للتقسيم بمعزل عن كل ما كتبه برنارد ليفي وسائر البرنندات ! سواء كانوا فرانكونيين او انغلوساكسونيين!
************
حين زار ريجيه دوبرييه بعض العواصم العربية سجّل ملاحظات بالغة الدلالة حول الصيدلية والمكتبة في العالم العربي، فالصيدلية وهي بالطبع ليست على غرار صيدلية جاك دريدا تراجعت فيها الادوية تاركة المكان للاكسسوارات وادوات التجميل في عالم تفتك به امراض المناطق الحارة، ولم يودع الاوبئة التقليدية والتي يتجاوز عددها الثلاثين.
اما المكتبة فقد اخلى فيها الكتاب المكان لعشرات المجلات الانيقة والصًّقيلة التي تصلح فقط لصالونات الحلاقة اضافة الى مئات الكتب عن الطًّبخ والريجيم وجراحات التجميل، كان ذلك كله يحدث ببطء، وتتفاقم خلاله الأمية المزدوجة، فمن يعرفون مئات الاسماء لانواع من السيارات واصناف الشامبو والسّلع الاستهلاكية يخطئون في اسم طه حسين او ابن خلدون، وتشاء المصادفة ان يكون اسم أبرز جنرال في الحرب على العراق هو شوارتسكوف ولعله الاسم الوحيد الذي كان يتردد بلا خطأ لأنه اسم نوع من الشامبو.
******************
ما كان لكل هذا ان يحدث لمجرد ان العولمة فرضت مناخاتها وشروطها وبالتالي ثقافتها لأن مقابل هذه العولمة أنتجت (عَوْرَبَة) من طراز فريد، زاوجت بين ما بعد الحداثة وما قبل البرونز او حتى اكتشاف العجلة، وصاهرت بين القبيلة والدولة وبين الحزب وعشيرة غزيّة، التي تحول مثقفها الى صدى وظلٍّ لها حين قال انه يغزو اذا غزت ويرشد اذا رشدت.
كان من السهل على اية مباراة كرة قدم ساخنة ان تقشر طلاء الدولة عن القبيلة وطلاء الحداثة عن الرعوية، حدث هذا مرارا، بين دمشق وبغداد وهما التوأمان اللدودان داخل الايديولوجيا ذاتها، واخيرا بين مصر الجزائر ولأن هذه المتوالية لا تتوقف فقد حدث هذا داخل البلد ذاته كما في مجزرة بور سعيد المدينة التي تحولت خلال دقائق من مثال لمدينة الصمود الى أمثولة للثأر القبلي!
كانت الأندية والنقابات والأحزاب وبعض المثقفين تجليات عصرية لقبائل وشعراء نقائض ولا أرى فرقا بين شاعر يمدح بني عبد المدان بعد أن يهجوهم مقابل كيس دراهم وبين مئات المثقفين الذين كتبوا باليد اليسرى عكس ما كتبوه باليمنى بعد تقاضي الأجر، ما يحدث الان هو ان الدود الذي باض وجد حاضنات يفقس فيها، لهذا أتذكر دائما تلك العبارة المريرة والمفعمة بالندم التي وردت على لسان احد شخوص البير كامو في المنفى والملكوت وهي : ويلك….. لقد سلّمت أخانا….. جميعا سوف ندفع الثمن !!!!
وها نحن جميعا، الفاعل والمفعول به والمفعول لأجله ونائب الفاعل ندفع الثمن !!!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية