التنميط والتنميط المضاد: الإسلام في عيون الغرب

يعج الأدب والفن والإعلام الغربي بصورة نمطية للآخر (المسلم ) أو العربي أو حتى الشرق أوسطي، تصوره بشكل إنسان همجي قاطع رؤوس، بالإضافة إلى كونه نهما مضطهدا للمرأة، يعب من ملذات الجنس القائم على تعدد الزوجات والمحضيات، المضطهد للآخر المختلف من الأقليات غير المسلمة التي تعيش في مجتمعاته الاصلية.
تلك المحفزات خلقت مجتمعات تعاني مما بات يعرف بـ(الإسلاموفوبيا)، وهذا ما أدى إلى تحول الأفكار والريبة المتبادلة القائمة على الأفكار النمطية إلى أفعال وأفعال مضادة، انبثقت في مجتمعات الغرب التي تعيش فيها جاليات مسلمة، فمنذ أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، التي ضخت دفقات كراهية موجهة للآخر المسلم، بات العالم يعيش أزمة تعايش مع الآخر المسلم، وتمثل ذلك في أزمات ومواجهات متعددة، من أزمة الرسوم المسيئة للرسول في الدنمارك إلى أزمة احراق القرآن في فلوريدا على يد قس امريكي مهووس، مرت أزمات كانت نتاج هذا التنميط والتنميط المضاد، مثل أزمة الحجاب في فرنسا، أزمة بناء المآذن في سويسرا، تفجيرات مترو الأنفاق في لندن، الهجوم على مجلة «شارلي إيبدو» في باريس، ثم هجمات باريس الأخيرة، وما تبعها من هجمات بروكسل… أزمات مفتوحة على نهايات قد تكون كارثية، إذا لم تحظ بالدراسة ومحاولة تفكيك الإشكالية المفاهيمية ووضع الحلول العلمية لها.
في فرنسا اختزلت مجلة «الأكسبريس» موضوع الحجاب الإشكالي بعنوان «الحجاب المؤامرة.. كيف يتسلل الإسلاميون؟»، ويحوي الموضوع مفردات تثير فزعا واضحا لدى القارئ الفرنسي مثل؛ الأرخبيل الإسلامي، الجماعة الإسلامية المسلحة، تفشي الحجاب، الذي راحت كاتبة المقال تصفه بأنه عملية إرهابية، كذلك الحال في مقال «ديرشبيغل» الألمانية الذي كان تحت عنوان «الحجاب هل هو صراع حضاري أم ماذا؟» تناول كاتب المقال بهذا العنوان المستفز القضية واعتبرها صراعا يتفجر من جديد، متسائلا عما إذا كان هذا الصراع يهدد المجتمع المسيحي والعلماني؟ فاذا ألحق هذا التحشيد برد فعل من الجاليات المسلمة التي تعيش ظروفا قاسية على هامش مجتمعاتها المضيفة، ستكون النتيجة كارثية، كما شهدناه من الأحداث التي اشرنا لها، وهذا ما قد يرسخ في ذهن المتلقي الغربي نظرية مفادها (اي مسلم هو مشروع إرهابي مؤجل، اذا اتيحت له الظروف المناسبة سيتحول إلى قنبلة تتفجر في المجتمع المضيف).
وقد يغذي اصحاب نظرية «التهديد الاسلامي لمجتمعات الغرب – الاسلاموفوبيا» مخاوف مواطنيهم ببعض ثوابت ثقافة الاخر التي تعد غريبة ومرفوضة بالنسبة للانسان الغربي، بل تثير اشمئزازه وخوفه وقلقه، وفي هذا المضمار يتم التأكيد على موضوعات محددة يقف في مقدمتها موضوع المرأة المسلمة، ويشمل الخطاب في هذا المجال، وضع المرأة السيئ في المجتمعات الاسلامية واضطهادها، ومشكلة ختان الفتيات باعتباره تشويها جسديا للطفلة، التي يمارس بحقها، وتعدد الزوجات والحجاب والنقاب ومنع النساء من الحصول على فرص نجاح في المجتمعات الاسلامية. كما يتم تسويق صورة الرجل المسلم الذي يسعى إلى أن يجر المرأة الغربية إلى (عالم حريمه) القائم على العزل والحجاب والنقاب بصورته الاستشراقية الزائفة، التي تروج صورة السيد الذكر المتمتع بعدد كبير من النساء المحضيات، لذلك باتت فكرة انتشار الحجاب والمظاهر الاسلامية الاخرى في مدن الغرب تسوق على أنها مؤامرة تهدف إلى تغيير ديموغرافيا الغرب، وهذا ما يمكن أن نلاحظه بوضوح في بروباغندا احزاب اليمين في الغرب.
أما المحور الآخر المهم من محاور نظرية الترهيب الغربية تجاه الآخر الاسلامي، فتقوم على فكرة انتهاك حقوق الإنسان الأساسية في المجتمعات الاسلامية، وغياب الاستقرار وازدياد العنف والحروب الداخلية، ما جعلها مجتمعات طاردة تضخ ملايين المهاجرين الهاربين من جحيم بلدانهم الاصلية إلى واحة الغرب المستقرة، وهذا ما اعتبره البعض تهديدا للتركيبة الديموغرافية والثقافية لمجتمعات الغرب، وهنا يجب أن نضع في اعتبارنا الأنماط السلوكية الثقافية التي يحملها المهاجرون معهم إلى مجتمعاتهم الجديدة، ومنها نمط العائلة الكبيرة عديدة الأطفال، مقابل نمط العائلة الغربية الصغيرة لدى المواطن الغربي الأصلي، ما جعل بعض المراقبين الغربيين يطرح الأمر على أنه استعمار استيطاني إسلامي سيغير هوية المجتمعات الاوروبية في غضون ربع القرن المقبل.
بالمقابل واجهت المجتمعات الاسلامية التنميط الغربي بتنميط مضاد، قائم على شيطنة الآخر، وتصويره بشكل الاخر المستعمر، الناهب للثروات، القامع لطموحات التحرر والنهوض، اللااخلاقي المتحلل والمتهتك، الملحد غير المؤمن، وكل تلك المكونات الإشكالية والمتخيلة لبنيوية المجتمع الغربي خلقت اشتباكا بين الغرب الحضاري والغرب الاستعماري، وكثيرا ما سبب هذا الاشتباك لبسا وبلبلة، بشكل خاص لدى المثقف العربي، الذي يريد أن ينهل من ثقافة الغرب، بدون الانحناء امام المستعمر الغربي، مما خلق أزمة يمكن تمثلها بسؤال هو؛ كيف يمكن أن نتعامل بندية حضارية مع الغرب الحضاري، وأن نحافظ على كينونتنا كعرب ومسلمين بوجه الغرب الاستعماري؟ وهل نسعى بعقلانية تجاه ذلك؟
يمكننا الإجابة على هذ السؤال من معطيات ما نشهده في واقع المجتمعات الغربية اليوم، فهنالك قصور حقيقي في السعي لتنفيذ هذا التواصل. ومع وجود الإمكانات المادية الهائلة، إلا أن ما يتم على أرض الواقع هو تكريس للصورة النمطية التي يروجها منضرو الاسلاموفوبيا، فعندما ننظر إلى مئات، بل آلاف المؤسسات الدينية الدعوية في الغرب ومنها مئات الجوامع والمؤسسات الخيرية، نجد نشاطاتها منكفئة على نفسها في محاولة ساعية إلى لملمة الجاليات المسلمة وقوقعتها في غيتوات اسلامية في المجتمع الغربي، وعدم الاشتغال على تعريف الاخر بالقيم الايجابية التي نمتلكها، وكثيرا ما اصبحت المؤسسات الاسلامية في الغرب مراكز صراع طائفي توجهه الدول الراعية بحسب توجهاتها العقائدية والمذهبية، كما بات معروفا أن العديد من هذه المؤسسات اصبحت تشكل مراكز إعداد وتجنيد للعديد من الحركات المتطرفة التي تنتشر في العالم، التي لا تعمل على تجند ابناء الجاليات المسلمة في الغرب فقط، بل تسعى لتجنيد شباب غربيين دخلوا حديثا للاسلام، وهذا ما شهدناه في ما بات يعرف بتجنيد المراهقين في اوروبا وارسالهم إلى تنظيم «داعش» في المناطق الساخنة في الشرق الاوسط.
وفي الحالات القليلة التي تتوفر فيها فرص يمكن أن تجسر الفجوة بين مجتمعاتنا الاصلية وجالياتنا في الغرب، ويمكنها أن تكسر جزئيا الصورة النمطية المتبادلة بين الغرب والاخر المنضوي في مجتمعاته، نجد اننا نهدرها بسلوكيات غريبة، مثال ذلك نجاح صادق خان عمدة لندن الجديد، المسلم الباكستاني المتحدر من عائلة مهاجرين فقيرة ناضلت من اجل تعليم اولادها، واستثمرت فرصة انفتاح المجتمع البريطاني، ليتقدم أحد أبنائها إلى اهم المناصب السياسية، حيث شغل هذا المسلم المولود في لندن في سبعينيات القرن المنصرم منصب وزير الاتصالات ووزير العدل في حكومة الظل، وهو ما زال في الاربعينيات من عمره ليصل إلى منصب عمدة عاصمة من اهم عواصم اوروبا، في ظل حكومة المحافظين وهو الناشط والسياسي العمالي، بالمقابل كيف كان تصرف حكومات ومؤسسات دولنا تجاه هذا الامر؟ التصرف كان مضحكا مبكيا، فقد نبشت وسائل اعلامنا الرسمية وشبكات التواصل الاجتماعي في تاريخ الرجل في محاولة لمعرفة إن كان سنيا أم شيعيا! وبناء على ذلك كيف سيكون موقفه من ايران أو السعودية؟ أو كيف ينعكس تحدره الطائفي على مواقفه من ابناء الجالية المسلمة في لندن؟ وبدل الاحتفاء بشخصية مثلت اختراقا مميزا للصورة النمطية، وقدمت نموذجا ناجحا يحتذى، هاجمت بعض المؤسسات وجوده في يوم ما في مناسبة دينية في مسجد محسوب على هذه الطائفة أو تلك.
لذلك نخلص إلى أن التنميط كسياق اجتماعي لا يخلق من طرف واحد من طرفي المعادلة ويفرض على الاخر، انما هو نتاج تفاعل بين طرفي التنميط، نشارك نحن فيه بسلوكنا وبما نقدمه للمجتمعات التي نعيش فيها، مثلما هنالك اطراف تحاول أن تقولب تصرفاتنا وتضعها في أطر صورة تحاول تسويقها لمواطنيها على انها هي الصورة الحقيقية الوحيدة لنا، وبذلك، لا يكفي أن نلوم الاخر على سلوكه القائم على توقعات سلوكنا، انما يجب أن نشتغل نحن على كسر هذه الصورة النمطية عبر التفاعل الإيجابي في مجتمعاتنا الجديدة ومحاولة تجسير الفجوة بينها وبين مجتمعاتنا الاصلية.

٭ كاتب عراقي

التنميط والتنميط المضاد: الإسلام في عيون الغرب

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية