في أوَج أزمة اتفاق اللاجئين ألمانيا تُخرج ورقة «إبادة الأرمن» في وجه تركيا

حجم الخط
5

اسطنبول ـ «القدس العربي»: في أوَج الأزمة التي يمر بها اتفاق اللاجئين بين تركيا والاتحاد الأوروبي، واستخدام أنقرة لهذا الاتفاق كورقة رابحة في الضغط على برلين ودول الاتحاد، أخرجت ألمانيا ورقة «إبادة الأرمن» في وجه الحكومة التركية والرئيس رجب طيب أردوغان في محاولة على ما يبدو لردع التهديدات التركية.
فمن المقرر أن يتبنى النواب الألمان، غداً الخميس، قراراً يعترف بأحداث الأرمن عام 1915 إبان عهد الدولة العثمانية «إبادة جماعية»، وهو الأمر الذي أثار سخط أنقرة بشكل غير مسبوق، ووجه كبار المسؤولين الأتراك تحذيرات مختلفة من تبعات القرار في حال اعتماده.
وتتوقع أوساط متعددة أن تحظى مسودة القرار التي تحمل عنوان «إحياء ذكرة إبادة الأرمن وأقليات مسيحية أخرى قبل 101 عاما» على موافقة واسعة في البرلمان، كونها طرحت من قبل كتل الأكثرية البرلمانية التي تضمن تمرير القرار بسهولة.
وتنص المسودة المطروحة على «التنديد بما قامت به آنذاك حكومة تركيا الفتاة والذي أدى إلى إفناء الأرمن بشكل شبه تام، وتعرب عن أسفها للدور المؤسف للرايخ الألماني الذي لم يفعل شيئا لوقف هذه الجريمة ضد الإنسانية (…) كونه الحليف الرئيسي للدولة العثمانية».
الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أجرى، الثلاثاء، اتصالا هاتفيا بالمستشارة الألمانية انغيلا ميركل حضها فيه على ما وصفه بـ»التعقل»، موضحاً في تصريحات صحافية من مدينة إزمير غرب البلاد أنه أعرب لميركل عن «قلقه» في حال تبني هذا القرار الذي يثير استياء أنقرة الشديد.
وهدد أردوغان بالقول: «في حال تم تبني هذا النص ووقعت ألمانيا في الفخ (…) فهذا الأمر قد يؤدي إلى تدهور كل علاقاتنا مع ألمانيا، حليفتنا في الحلف الأطلسي وحيث يعيش ثلاثة ملايين تركي»، موضحاً أنه: «بالنسبة إلى تركيا فان هذا النص لا ينطوي على أي طابع ملزم استنادا إلى القانون الدولي».
وترفض تركيا حتى الآن الاعتراف بأن هذه (عمليات القتل) كانت عملية تصفية منهجية نفذتها السلطنة العثمانية، مؤكدة أن الأرمن الذين قضوا في تلك الفترة سقطوا نتيجة للجوع أو في معارك وقفوا فيها مع روسيا عدوة السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى.
ويقول الأرمن إنه ما بين عامي 1915 و1917 قتل ما يقارب من 1.5 مليون شخص. لكن تركيا تؤكد من جهتها أنها كانت حربا أهلية قتل فيها بين 300 و500 ألف ارمني ومثلهم من الأتراك.
ويأتي طرح ألمانيا لورقة الأمن في ظل توقعات واسعة باحتمال انهيار اتفاق اللاجئين بين تركيا والاتحاد الأوروبي في ظل التهديدات التركية المتزايدة بنسف الاتفاق في حال لم يلتزم الاتحاد الأوروبي بشرط أنقرة رفع تأشيرة دخول مواطنيها لدول الاتحاد بحلول نهاية شهر حزيران/يونيو الجاري. حيث أعلن أردوغان أن البرلمان التركي لن يمرر الاتفاقية رداً على ذلك، ما يعني عودة تدفق مئات آلاف اللاجئين لدول الاتحاد. ومن التوقع أن يؤدي اعتماد القرار إلى تعزيز احتمالات انهيار اتفاق اللاجئين الذي تصدرته ألمانيا، ودخول العلاقات بين تركيا وبرلين ودول الاتحاد الأوروبي بشكل عام في مرحلة جديدة من التراجع.
والثلاثاء، أعلن رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، أن على اردوغان أن «يفكر مرتين» قبل العودة عن الاتفاق الموقع مع الاتحاد الأوروبي حول المهاجرين، قائلاً: «على الرئيس اردوغان أن يفكر مرتين قبل أن يعلن، كما يقول بعض وزرائه، أن الاتفاق لن ينفذ».
وأضاف يونكر أن على الرئيس التركي في حال تراجع عن الاتفاق أن «يشرح للشبان الأتراك ولرجال الأعمال والصحافيين والآخرين، لماذا لن يتمكنوا من مغادرة الأراضي التركية»، ولماذا «يقف وراء عدم تمكين الأتراك من التنقل بحرية في أوروبا»، وتابع: «أقمت علاقات صداقة مع الرئيس اردوغان لفترة طويلة إلا أنها باتت اليوم مضطربة».
والاثنين، دعا رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، الحكومة والبرلمان الألمانيين، إلى «التعامل بمنطق سليم حيال مزاعم إبادة الأرمن»، وأوضح بيان أن يلدريم أعرب لميركل عن «قلق الشعب والجالية التركية في ألمانيا حيال اعتزام البرلمان الألماني (بوندستاغ) طرح المزاعم الأرمنية حول أحداث 1915، استنادًا إلى أحكام سياسية غير عادلة ولا أساس صحيح لها».
وشدد يلدريم على أهمية «مواصلة البلدين الحوار السياسي رفيع المستوى، وتعزيز علاقات أنقرة وبرلين العميقة في كافة المجالات». مؤكداً «التزام تركيا بتعهداته مع الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق باتفاقية مكافحة الهجرة غير الشرعية، وإيفائها بما يقع على عاتقها، مذكرًا بوعود الجانب الأوروبي بتقديم مساعداته المالية للاجئين السوريين في تركيا وإعفاء الأتراك من تأشيرة دخول أعضاء الاتحاد (شنغن)».
وقال نائب رئيس الوزراء التركي نعمان كورتولموش إن ألمانيا- التي تضم أقلية تركية كبيرة- ينبغي أن «تتصرف بحذر» مع هذه القضية. وأضاف أنه لا ينبغي أن يبت البرلمانيون في قضية تاريخية، مشيرا إلى أنه يتعين على كل الدول إتاحة الوثائق للمؤرخين لكي يتمكنوا من تسليط الضوء على عمليات القتل.
وأضاف كورتلموش: «لا اعتقد أن البرلمان الألماني سيدمر هذه العلاقة من اجل مصالح سياسيين اثنين أو ثلاثة».
وشارك آلاف الأتراك، السبت الماضي بمسيرة نظمتها منظمات مجتمع مدني تركية، بالعاصمة الألمانية برلين، احتجاجًا على ذلك.
وسبق أن اشتعلت نفس الأزمة مع الفاتيكان والنمسا العام الماضي، على خلفية محاولات مشابهة للبرلمان الأوروبي واستخدام البابا فرانيس وصف «إبادة جماعية»، حيث استدعت أنقرة آنذاك سفير الفاتيكان وأعربت له عن فقدان الثقة في العلاقات مع الفاتيكان.

في أوَج أزمة اتفاق اللاجئين ألمانيا تُخرج ورقة «إبادة الأرمن» في وجه تركيا

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية