التلفزيون المصري.. قيادات إعلامية تنتج فشلاً!

حجم الخط
3

ذُهلت، ونادراً ما أُذهل، عندما علمت أن ميزانية التلفزيون المصري هي (6) مليار جنيه في السنة، مليار ينطح أخيه، وهو أمر كفيل بإنشاء دولة لها علم ونشيد، والعبد لله استقر في وجدانه أن مال الدولة المصرية حرام كحرمة شهركم هذا، وقد ورد في الأثر إن الحرام يذهب من حيث أتى. فمليار جنيه نرميهم في البحر بنفس راضية.
تلفزيوننا فشل فشلاً ذريعاً وعلى كافة المستويات، وزميلنا صلاح عبد المقصود وزير الإعلام يدير أملاكاً ولا ينتج إعلاماً، فهو كالمنبت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً ابقى، لم ينجح في الارتقاء بالشاشة، ولم يقم بما قام به وزير الثقافة الجديد من حرب على مراكز القوى في الوزارة، تبرر استمراره وزيراً. فالشاهد أن الرجل جاء إلى مقعده ليطبق نظرية الإخوان في الحكم، فيحتفي بأصحاب القامات المنخفضة، ويصر على بقاء إبراهيم الصياد رئيسا لقطاع الأخبار، وهو سبق له أن توفي قبل هذا. ومعلوم أن الصياد جاء إلى موقعه في لحظة انهيار الدولة المصرية، وعندما أجبرت الثورة المجلس العسكري الحاكم حينئذ على إقالة عبد اللطيف المناوي، الذي كان المجلس مُصراً على استمراره، وهو الذي أدار التلفزيون في اتجاه تسفيه الثوار، واهانة الثورة، وتصويرها على أنها عمل غير صالح.
وجاء صلاح عبد المقصود وزيراً، فوجد الصياد تسري عليه مواصفات ‘المستخدم الإخواني’ فأبقى عليه، على نحو أوحى بأنه لا تغيير هناك ولا يحزنون، وأن عبد المقصود جاء لموقعة ‘سد خانة’، ولضبط هذا الجهاز الذي كان يستخدم في فترة معينة ضد الحكم الإخواني، شأنه في ذلك شأن كثير من وسائل الإعلام المملوكة للدولة، لأن المجلس العسكري هو الذي اختار القيادات، وكان باختياراته وفي كل المجالات يمثل امتداداً استراتيجياً لعهد حسني مبارك.
ولأن مصر شهدت في بداية حكم الدكتور محمد مرسي ما يطلق عليه بثنائية الحكم، إذ انتزع العسكري سلطة التشريع بعد حكم المحكمة الدستورية بحل البرلمان، ليظل في السلطة، فقد راهنت هذه القيادات على أن الحاكم الحقيقي لمصر هم العسكر، فمالت كل الميل، وكان بعض رؤساء تحرير الصحف القومية يبالغون في إثبات انحيازهم للقوم ضد الرئيس المنتخب، إلى أن استيقظت البلاد على خبر إنهاء الرئيس محمد مرسي لحكم العسكر، بعد ستين عاماً من الحكم العضوض، وبمناسبة مرور مائة يوم على اختياره كتبت أنا: ‘نصف نجاح، ونصف فشل، ولو لم يكن له سوى إنهاء حكم العسكر لكفاه’.
الحكم الإخواني أطاح باختيارات العسكر في مجال الإعلام، وقد طبق نظريته المعتمدة في اختيار ‘المستخدمين’، فكنا أمام قيادات إعلامية أنتجت فشلاً، وفي مواجهة الإعلام المعادي، ضج الإخوان، وهاجموا الإعلام الذي يناصبهم العداء، والذي تقوم عليه الثورة المضادة من أول يوم، وبدا الأمر عجيباً لأن القوم ورثوا ترسانة إعلامية من مبارك، في ذات اللحظة التي ورثوا فيها حكمه، لكنها بدت كالأسلحة الفاسدة التي استخدمت في حرب 1948 على النحو الذي ذكره لنا مدرس مادة التاريخ في مدرسة نجع الضبع الابتدائية، ولم يكن كلامه دقيقاً.
عندما سألنا ‘الأستاذ العجمي’ عن لماذا أُطلق عليها اسم الأسلحة الفاسدة؟.. قال لأن حاملها كان عندما يضغط على الزناد ليقتل العدو إذا بالرصاص يخرج من الخلف ليستقر في صدر من يطلق الرصاص.

اختيارات الإخوان
من عجائب اختيارات القوم في مجال الإعلام، أنهم اختاروا لرئاسة مؤسسة صحافية كبرى شخصاً متهماً في قضية التمويل الأجنبي، التي أثارت جدلاً بسبب ضغوط أمريكية على المجلس العسكري، نتج عنها ضغوط على القضاة، وتم الإفراج عن المتهمين الأمريكيين، مما كان عنواناً لفضيحة كبرى، ومؤخراً صدرت الأحكام وكان نصيبه السجن سنتين، ولأنه بالخارج، فقد بلغ فراراً ولم يعد!
إذا أردت أن تقف على مقاييس اختيار المستخدم في الحكم الإخواني، فانظر إلى هشام قنديل، رئيس الحكومة الذي يصر الرئيس على استمراره في موقعه، وهو كان مجرد سكرتير لدي وزير الري الأسبق قبل أن تتم ترقيته إلى منصب الوزير وبترشيح من احد الأشخاص المقربين من الإخوان، ولا توجد للرجل انجازات على أي مستوى، فاستمراره بالتالي مرده إلى حالة ‘الاستلطاف’، أو ‘الاستملاح’، ولأنه وبحسب المقاييس الاخوانية في اختيار المستخدم من خارج الجماعة، جدير بالموقع، وان اعترض الناس جميعاً عليه.
لقد أبقى صلاح عبد المقصود على إبراهيم الصياد، لأنه تتوافر فيه معايير السلامة، وعندما وجد نفسه مطالباً بتعيين رئيس جديد لاتحاد الإذاعة والتلفزيون، عين إسماعيل الشتشاوي وهو رجل ‘بركة’ كان يلملم أوراقه استعداداً لمغادرة مبنى ماسبيرو لأنه اقترب من سن الإحالة للتقاعد، لكن عبد المقصود اختاره، وعندما رأيت الرجل قبل اختياره أيقنت أن المقاييس متوافرة فيه، فهو طيب، وصاحب شخصية تؤهله لأن يكون شيخاً لطريقة صوفية، واختياره المؤقت وهو يستعد للرحيل، لا يعني أكثر من ‘سد خانة’، ثم جيء بشكري أبو عميرة، وهو ليس أكثر من موظف جرت ترقيته.
عندما جاء ممدوح البلتاجي وزيراً للإعلام، وتعرض لمؤامرة من خصمه التاريخي الرائد متقاعد صفوت الشريف، لم ينس أن يحقق انجازاً يلمسه المشاهد على الشاشة، تمثل في برنامج ‘البيت بيتك’، ولعلمه أن الوزير في الأصل يُنظر إليه على أن رئيس الشاشة.
عمل الشريف المستحيل حتى لا يخلفه البلتاجي، الذي ظل عمره كله يحلم بأن يكون وزيراً للإعلام، وعندما اختير بدا كما لو كان قد فوجئ بهذا الاختيار ففشل، وساهم الشريف في دفعه للتأكيد على فشله بأن حرض العاملين في مبنى ‘ماسبيرو’ على التقدم إليه بمظالمهم، وكان قد أعلن فتح باب مكتبه لإنصاف العاملين في المبنى، فكان يتلقى مئات الشكاوي يومياً، غرق فيها، فاته أن إحقاق الحق في هذا المبنى الذي لم يؤسس على التقوى من أول يوم، يحتاج إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل.
انغمس البلتاجي في الشكاوى، ولم ينس أن يحدث تغييراً يشعر به المشاهد، فبدا ‘البيت بيتك’ من حيث الشكل برنامجاً ضخماً، وقد ورثه منه وزير إعلام الغفلة انس الفقي، والذي غير اسمه في وقت لاحق إلى ‘مصر النهارده’، الذي اختلفنا حول رسالته الإعلامية، لكنه كان نقلة مهمة.

أخونة الوزارة
الوزير الحالي انغمس في قضايا الفساد الصغيرة، فاهتم بإحالة مخرجين باتحاد الإذاعة والتلفزيون للتحقيق لأنهم حصلوا على حوافر مالية في العام الماضي رغم تغيبهم عن العمل، وهذا عمل رائع حقاً، لكن كان ينبغي أن يكون حول الوزير فريق عمل يقوم بهذه المهام، ويتفرغ هو لعملية النهوض بالتلفزيون الذي صار كل على مولاه، والذي ازداد ضعفاً في عهده، في وقت يهاجمه خصومه بأنه يقوم بأخونة الوزارة، وينشغل هو بالرد بذكر أعداد الذين شاركوا في البرامج من القوى المناهضة للإخوان، وكيف أن الرئيس نفسه أهين في تلفزيون الدولة!
لست مشغولاً بموشح الاخونة، وفي واقع الأمر فان اختيار القيادات في الصحافة المصرية، لم يكن للإخوان فيها نصيب، حيث جيء بمن هم أسوأ في الممارسة وهم ‘المؤلفة عقولهم’، وبعضهم يبالغ في إثبات الولاء العذري، فيتحلل من أي قيمة مهنية، وواصلت الصحافة القومية ‘الهبوط الاضطراري’ على أيديهم.
لا اعتقد أنه يحسب لصالح عبد المقصود أن يستضيف معارضاً يسب الرئيس بدلاً من أن ينتقده، فقد كان على التلفزيون الرسمي مهمة كبرى في ظل هذه الفوضى الإعلامية وهذا الخروج الجماعي على قواعد العمل الإعلامي، والمعايير المهنية، وهو أن يقدم إعلاماً جاداً يحتفي بالرأي والرأي الآخر، ويهتم بتقديم المعلومة الصحيحة، في وقت ذابت فيه الخطوط الفاصلة بين ما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي وبين الصحافة وكثير من الفضائيات الخاصة.
يكفي أن يطلق أحدهم كذبة حتى تتحول إلى خبر حقيقي، يعرض على بساط البحث والتعليق ليلة كاملة، على النحو الذي ردده أحد الأشخاص من أن أعضاء مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين قاموا بشحن أسرهم للخارج ما بين السودان، واليمن، وتركيا، خوفاً من 30 يونيه القادم وهو اليوم الذي دعت المعارضة والثورة المضادة معاً باعتباره يوماً من أيام الثورة للإطاحة بالرئيس المنتخب، وتعيين مجلس رئاسي ممن لم يحالفهم الحظ في الانتخابات!
خبر الشحن والتفريغ في السودان، وتركيا، واليمن، يأتي في سياق الحرب النفسية التي تقوم عليها هذه الفضائيات، وبعضها مملوكة لفلول وان عمل فيها من كانوا يقدمون أنفسهم على أنهم معارضون للنظام البائد ‘القاهرة والناس’ نموذجاً، وهي الفضائية التي تشارك ‘سي بي سي’ نفس المهمة، وفي الأولى يتحفنا إبراهيم عيسى بخطبة من النوع طويل التيلة ضد مرسي في كل ليلة، وفي الثانية تطل علينا لميس الحديدي لتؤدي نفس الرسالة، أما بعلها فيقوم على ثغرة من ثغور المملكة العربية السعودية على قناة ‘أوربيت’.
قارئ أرسل لي رسالة عتاب لأنني في ذكري للمملكة اسميها باسم آل سعود، وسألني ان كنت اقبل أن تسمي مصر باسم الرئيس محمد مرسي؟!.. ولم اجبه فيوم أن تنضم السعودية إلى بلدان الربيع العربي، يعود لها اسمها، وسيكون هو النصر المبين للثورات العربية، لأن آل سعود يعملون على إفشال هذه الثورات حتى تصبح هذه البلدان آية، فيقول المواطن السعودي من نظر إلى بلاوي غيره هانت عليه بلواه!.
لم تفكر أي فضائية أو صحيفة في تحري الدقة، والأمر لا يستدعي سوي سؤال المطار إن كانت اسر القوم قد هربت، أم لا؟.. ويمكن سؤال سفارات الدول المذكورة بالقاهرة إن كانوا قد منحوا تأشيرات لهذه الأسر، لكن هناك خوف من مخاطر التبين اذا ثبت أن المذاع ليس صحيحاً. فالمعلومة ضحية لحالة الاستقطاب السياسي في مصر.

شحن العائلات
لا أرى مبرراً لعملية إرسال العائلات للخارج، فكما يقول المثل الشعبي ‘يا ما دقت على الرأس طبول’، فليست هذه أول مرة تتم الدعوة فيها للخروج في مظاهرات لإسقاط الرئيس، ومحمد مرسي غير حسني مبارك، مرسي له ‘عزوة وأهل’ أو عشيرة كما يقال، ومبارك كان يتيم الأبوين، ومن حوله جماعات المصالح التي لم تخرج لتدافع عنه لكن من المؤكد أنها ستخرج يوم 30 يونيه تحت غطاء ثوري هذه المرة!.
فلم يكن الإخوان في مواجهة أول أو آخر دعوة للخروج، وعندما تفشل مظاهرة 30 يونيه سيكون الحديث عن مليونية جديدة في 23 يوليو يوم الثورة الحقيقية، وعندما تفشل هذه في تحقيق أهدافها بإسقاط الرئيس قد تكون الدعوة إلى مظاهرة جديدة يوم ‘ثورة الابن’ في الفاتح من سبتمبر!
ولأن الإعلام المعادي للحكم الإخواني يرى نفسه في حالة حرب، فانه في الحروب يجوز المحرم، وكان على التلفزيون الرسمي أن يمثل الإعلام الحقيقي، لكن الوزير الإخواني يدير ‘ دولة التلفزيون’ كما لو كان يدير مجلة فصلية فينشغل بالتفاصيل، حتى الغرق دون أن يحقق انجازاً على أي مستوى، لنفاجأ بأن ميزانية التلفزيون على الرغم من هذا الفشل (6) مليار جنيه سنوياً، منها (2) مليار رواتب، والمعني اننا نستطيع أن ننسف المبني، ونسرح العاملين فيه، ونحل هذه الدولة، ويتم إرسال رواتب العاملين فيه إلى بيوتهم فنخفف الضغط المروري على منطقة وسط القاهرة، وبمليار جنيه فقط يتم إطلاق ثلاث فضائيات بحجم الجزيرة (زمان)، أما الثلاثة مليار الأخرى فيمكن توزيعها صدقة جارية على روح الخواجة ماسبيرو.
رحمة ونور عليه.
أرض جو
ـ اذهب إلى فضائية ‘الغد العربي’ بين الحين والآخر لعلي أجد على النار هدي، فيرتد البصر الي خاسئا وهو حسير.. فجمانة نمور لم تظهر إلى الآن!
صحافي من مصر
[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية