الثورة العربية الكبرى ورسالتها النبيلة

حجم الخط
5

تحتفل المملكة الأردنية الهاشمية اليوم بمئوية الثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف الحسين بن علي طيب الله ثراه دفاعا عن شرف الأمة العربية في وجه الظلم والجور والطغيان.
نستذكر في ظلال هذه المناسبة صفحات المجد والفخار التي سطرها أبناء هذا الوطن بكل أطيافه ومكوناته في كل ساحات وميادين القتال التزاما بمبادىء الثورة الكبرى وتماشيا مع رسالتها الخالدة بتحقيق الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية والتسامح وكرامة الإنسان.
كل فرد من أبناء هذا الشعب يحمل رسالة كل بموقعه تخليدا لذكرى الأجداد والآباء الذين سطروا صفحات نيرة في القدس الشريف وباب الواد واللطرون ومعركة الكرامة المجيدة وكل المعارك التي خاضها أبناء الجيش العربي المصطفوي دفاعا عن هذه الأمة وكرامتها.
الحمل ثقيل في محيط ملتهب علت فيه أصوات المدافع والبنادق على كلمات العقل والحكمة وأصبحت اللغة الدارجة لغة العصبية والطائفية والاقتتال الدموي والتهجير والتشريد وقتل النفس التي حرمها الله.
تغيير الحكومة هواستحقاق دستوري بحت وصحيح أن رئيسها الجديد يتمتع بخبرة دبلوماسية وعملية كونه تقلد العديد من الوزارات والمواقع الدبلوماسية وعرف عن قرب الواقع المعيشي لأبناء الوطن والواقع الاستثماري في الأردن بشكل عام والعقبة بشكل خاص مع كثرة الحديث عن مشاريع استثمارية للمملكة العربية السعودية في الأردن الا أن التطبيق العملي شيء وحسن النوايا الصادقة والكلام النظري شيء أخر.
الأردن يعاني من مشاكل مستعصية كالبطالة في بلد غالبيته من الشباب ومن استمرار تدفق أمواج اللاجئين السوريين إلى بلد يفتقد إلى الموارد الطبيعية والبنى التحتية. التمسك بمبادىء الثورة العربية الكبرى ومبادئها النبيلة واغاثة الملهوف واكرام الضيف وتقديم يد العون للأشقاء العرب في السراء والضراء وحمل همومهم والدفاع عن قضاياهم المركزية من القضية الفلسطينية إلى الاستبسال في تذكير العالم المتحضر بمسؤولياته الانسانية والدولية لانهاء معاناة الشعب الفلسطيني وتحقيق حلمه المنشود بقيام دولته الحرة القادرة على الحياة على كافة ترابه وتذكير العالم بانتهاكات إسرائيل بالمقدسات الإسلامية والمسيحية واذكائها لنيران الفتن الدينية وتحذير إسرائيل من استمرارها بعقلية القلعة التي لن تجلب لإسرائيل الا مزيدا من العزلة الدولية والابتعاد عن دول الجوار، ليست الا فيضا من غيض من مكارم الهاشميين من الملك عبد الله الأول المؤسس إلى الملك حسين طيب الله ثراهم إلى الملك عبد الله الثاني الذي وعد بسيادة وغلبة القانون وحرية الرأي والكلمة والاستماع إلى الآخر وقبوله تماشيا مع رسالة الإسلام السمحة.
هذه المبادىء شيء والواقع المعيشي للمواطنين شيء وكل الحكومات السابقة فشلت بايجاد حلول لهذه المشاكل المستعصية ولمشاكل أبسط عدا عن مشكلة اللاجئين التي تأخذ طابعا دوليا ولا تستطيع دولة كالأردن تحديد مسارها. عملية توطين اللاجئين وايجاد عمل لهم بداية لتخلي المجتمع الدولي عن التزاماته تجاه الأردن والدليل تخفيض اسهامات مفوضية اللاجئين للأمم المتحدة بالنسبة للاجئين السوريين في الأردن مؤخرا والدليل خطابات الملك التي أعلن بها مرارا وتكرارا بأن الأردن يسهم بايواء اللاجئين السوريين من الخزينة المحلية وبأن المجتمع الدولي لم يف الا بجزء يسير من المساعدات وأن الكيل قد طفح.
هذه الحكومة رغم حسن وصدق النوايا لن تأتي بجديد وسط تراجع السياحة وعجز الموازنة وغلبة الدين واستمرار تدفق اللاجئين والأوضاع المرة التي تعيشها دول الجوار كسوريا والعراق والمناطق الفلسطينية المحتلة ومصر وغيرها. اذا كانت دول قوية عسكريا واقتصاديا تعاني من أزمات مالية واجتماعية وبدأت بسن قوانين للحد من تدفق اللاجئين فهل يمكن لدولة صغيرة الحجم ومحدودة الامكانيات المكابرة وترك الباب مفتوحا على مصراعيه. البنى التحتية ضعيفة والمدارس والمستشفيات ودور الحضانة والرعاية الصحية والاجتماعية لا تحتمل ملايين من البشر دخلوا بشكل مفاجئ إلى دولة مديونة اقتصاديا.
البنى التحتية ركيكة من شوارع وأرصفة وحتى المقابر التي عبر رئيس الوزراء الجديد في أول تصريح له أثناء زيارة قبل والده الراحل بضرورة العناية بحرماتها وصيانتها ومنع الاعتداء عليها والعبث بها من مشاهدات سابقة لدولته.
الاستثمارات الخليجية رغم صدق النوايا غير أكيدة فالمملكة العربية السعودية ودول الخليج بدأت بانتهاج سياسات تقشف لسد العجز في موازناتها وسط تدهور أسعار النفط وتراجعه مقابل الدولار والحروب في اليمن وليبيا وسوريا وتدهور الأوضاع الأمنية في مصر وتونس والمواجهة مع إيران وتوغلاتها في المنطقة العربية. خادم الحرمين الشريفين انتهج سياسات حكيمة بترشيد الإنفاق ودمج الوزارات والمؤسسات الحكومية. وهذا الأمر تنتهجه الدول الكبرى منذ زمن ففي بريطانيا وزارة واحدة للرياضة والثقافة والإعلام. في بريطانيا التي يزورها ملايين السياح من كل جنسيات العالم قاصدين أماكن الجذب السياحي والطبي لا توجد وزارة للسياحة وينطبق الأمر على سويسرا وألمانيا وغيرها. في الأردن وزارة للسياحة وهيئة لتنشيط السياحة وضعف في البنى التحتية ووعورة الطرق وتراجع في عائدات السياحة. حان الأوان للتعلم والاستلهام من تجارب الدول الصديقة الناجحة بالدمج وترشيد الانفاق والاستهلاك والبحث عن موارد بديلة للطاقة لسد العجز بالموازنة. والأهم من ذلك القضاء على آفات المحسوبية والواسطة والمحاباة وآثارها السلبية المستشرية حتى في أكثر المجتمعات الغربية تقدما.
في النهاية كلمة حق منذ تولى الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية استطاع الأردن العبور بأمان وسلام المحيط بأمواجه العاتية وأضحى الأردن البلد الصغير جغرافيا صخرة عتيدة تتكسر عليها المؤامرات والدسائس وأضحى منارة يسير على نورها اللاجئ والمحتاج والملهوف، دولة شامخة حرة أبية عزيزة ترفل بسيادة القانون والأمن والأمان والطمأنينة ومظلة الديمقراطية ولا فرق بين مواطن وآخر الا صدق انتماؤه لمبادئ الثورة العربية ورسالتها العظيمة.

الدكتور منجد فريد القطب

الثورة العربية الكبرى ورسالتها النبيلة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية