أحمد، وهو لاجيء من سوريا، يناضل من اجل التغلب على مصاعب اللغة الألمانية مثل كثيرين غيره. ولأنه متحمس للتعلم فهو يقوم بالاستماع بنفس طويل لشرح المتطوعين من المنظمة في برلين. (نطبخ خارج الصورة الكبيرة)، وهي جسم اقترح على اللاجئين في البداية مكانا لتحضير الطعام. وبعد ذلك قامت بتوسيع نشاطها ففتحت صفوف لتعليم اللغة حيث يتم هناك شرح القواعد للغة الألمانية المعقدة. «أنا أحب الألمان. ولكن ببساطة لا استطيع تحدث لغتهم»، قال أحمد.
هذه ليست مشكلته الوحيدة. فقد أرسلته وزارة الداخلية الألمانية إلى هوفغرتان، وهي ضاحية من ضواحي برلين البعيدة والمشهورة بسباقات الخيول التي تتم فيها. ومن هناك كانت صعوبة لاحمد من اجل تمويل رسوم السفر إلى برلين. ولكن حتى لو تمكن من الوصول بقوته الذاتية فانه سيواجه الصعوبات. أحمد هو نادل في مقهى في مهنته. وحسب قوله فانه يستطيع تحضير موحيتو ممتاز. ورغم أن فرص عمله جيدة بسبب أنه لاجيء، إلا أن المنافسة ستكون صعبة أمامه في برلين. والعقبة الاساسية هي عدم تحدثه اللغة الألمانية بطلاقة، وهي تعيقه ايضا في البحث عن مكان للسكن قريب من المدينة، وهو ما زال عالقا حتى هذه اللحظة.
وصل أحمد إلى ألمانيا في تشرين الثاني السنة الماضية مع مئات آلاف اللاجئين السوريين وطالبي لجوء آخرين عبروا عن طريق تركيا واليونان والبلقان. ومثل الكثير من أبناء بلاده، هو لم يهرب مباشرة من سوريا، بل من لبنان حيث اختبأ هناك هو وأبناء عائلته لسنوات، دون وجود خطر على حياتهم، لكن في حالة صراع دائم من اجل العيش ودون امكانية العودة إلى الوطن. قصة احمد هي مثال على الطريقة التي تحاول فيها ألمانيا ودول اخرى دمج اللاجئين في المجتمع بشكل عام وفي الاقتصاد بشكل خاص. حيث أن اغلبيتهم لا يعرفون اللغة ولا يملكون مهارات معينة. لهذا فهم بحاجة إلى الوقت والى مصادر ومال سياسي. في بعض هذه الدول فان هذه القضية ستضع مسائل الرفاه والسكن والعمل في الامتحان.
لكن الدراما التي حصلت في العام الماضي كانت تذكيرا بأنه لا يمكن لأوروبا عزل نفسها عن مشكلات الحي الواسع. فخلال السنين ازداد عدد اللاجئين السوريين في تركيا ولبنان والاردن. هذا اضافة إلى ملايين المشردين في سوريا نفسها. وحسب التقديرات هناك 13 مليون شخص تشردوا من بيوتهم خلال الحرب ـ سبعة ملايين في سوريا وستة ملايين خارجها. في لبنان يوجد الآن 1.07 مليون سوري (الرقم الحقيقي يقترب من 1.5 مليون شخص) وهم يشكلون عبئا على الدولة التي يبلغ عدد سكانها 4.5 مليون نسمة. والاردن الذي يوجد فيه الآن 1.3 مليون لاجيء، خصص لهم ميزانيات على حساب الدولة. وهناك حوالي مليون لاجيء وصلوا إلى أوروبا. حكومات ومسؤولون رفيعون في الشرق الاوسط حذروا أوروبا ن موجة اللاجئين. ولكن في ظل غياب جهاز دولي قوي يخفف من العبء، وبدون اهتمام سياسي لحل المشكلة، فان ما تبقى لاحمد واشباهه هو التصويت باقدامهم وإحداث الفوضى العارمة. فما كان مشكلة في لبنان أصبح الآن مشكلة في ألمانيا. لقد فهم العالم الثري، بتأخر، أن جهاز الدفاع الدولي الحالي قد تفكك، وأن أوروبا التي أقيم فيها هذا الجهاز قبل 65 سنة، يجب عليها أن تسعى لاحداث التغيير.
اقتلاع متواصل
بسبب الاعداد الكبيرة للاجئين الذين يهربون من سوريا، فان تقديرات مديرية الامم المتحدة للاجئين تقول إن عدد اللاجئين وصل إلى 60 مليون شخص، حيث أن ثلث هذا العدد عالق خارج بلاده. وباستثناء عدة نقاط ضوء مثل امكانية عودة 6 ملايين لاجيء من كولومبيا إلى بيوتهم بعد أن توصلت الحكومة والمتمردون إلى اتفاق، فان المشكلة تتفاقم أكثر فأكثر. وهناك صراعات جديدة في اماكن مثل جنوب السودان تخلق مشاكل لاجئين جديدة، في الوقت الذي لا يوجد فيه أي حل في الافق لمشكلات سابقة مثل مشكلة الصومال.
ليس هناك قانون يقول إن عدد المشردين في العالم يجب أن يزداد. يمكن حل بعض الصراعات فور اندلاعها. يبدو أن ما يُقلق اكثر هو حقيقة أن 45 في المئة من اللاجئين في العالم (رقم قياسي) يوجدون في «حالة مستمرة» تمتد منذ خمس سنوات أو أكثر. والسوريون هم آخر من ينضم إلى هذا النادي البائس. وقدرة التحمل لدى الدول التي هربوا اليها آخذة في التلاشي. وغياب الفرص في تركيا والاردن ولبنان له دور جزئي في الخروج إلى أوروبا.
في هذه الاثناء يزداد عدد السياسيين وموظفي الحكومة الرفيعين الذين باتوا يدركون أهمية اهتمام دولهم والتزامها القانوني تجاه مساعدة هذه الموجات الانسانية التي تصل اليها. وقد بدأ الضغط من اجل تغيير ميثاق اللاجئين من 1951، والبروتوكول من 1967، اللذين هما الاطار الاساسي للدفاع الدولي عن الاشخاص الهاربين من المطاردة، والاساس لعمل الامم المتحدة. هذا الميثاق هو احد الادوات القوية للقانون الدولي. والتعهد الاول في الميثاق يقضي بأنه محظور اعادة اللاجئين إلى وطنهم طالما كان هناك خطر على حياتهم. وكما يقول جيمس هاتشفيه، المختص بقانون اللاجئين من جامعة ميتشغان، فان هذه أداة متعددة الجوانب. وقد بني القانون الدولي والاقليمي على أساس الميثاق ووسع مجال الدفاع إلى ما وراء التعريف الأولي للاجيء كمن يقف أمام «خوف من المطاردة». وبهذا فان اجزاء كثيرة من العالم تقترح الآن الدفاع عن اولئك الذين يهربون من الدول التي تعيش حالة الحرب مثل سوريا.
لكن السياسيين الذين انشأوا اجهزة اللاجئين في بداية الخمسينيات، حيث كانت فظائع الحرب العالمية الثانية ما زالت تعلق في الاذهان، كانت طموحاتهم متواضعة. حيث غطى الميثاق فقط الاوروبيين الذين تم اقتلاعهم قبل عام 1951، بما في ذلك الملايين اثناء الحرب وآخرين في التطهير العرقي الذي تم بعدها. حتى 1950 تقلصت اعداد اللاجئين في أوروبا إلى أقل من نصف مليون، وكانت الوكالة صغيرة وفقيرة وضعيفة وقليلين من توقعوا أن تبقى مع مرور الوقت.
اتضح أن الوكالة هي اضافة هامة للسياسة الخارجية الغربية خصوصا تجاه اللاجئين الذين هربوا من الدول الشيوعية أو الدول التي دعمتها الولايات المتحدة. في 1956 ساعد مدير اللاجئين مئات آلاف الهنغاريين الذين هربوا من السوفييت رغم أن التعريف لم يشملهم، والكثيرين منهم عاشوا في دول خارج أوروبا. الوكالة ساعدت ايضا لاجئي الحروب في آسيا وافريقيا في الخمسينيات والستينيات. وفي 1967 ألغت مديرية الامم المتحدة حدود الزمان والمكان للميثاق. الاتفاقات في افريقيا وآسيا وسعت مجال الدفاع، وفيما بعد عرّف الاتحاد الاوروبي اشكال جديدة من الدفاع كانت قريبة من منح مكانة لجوء كاملة لضحايا الحروب والعنف، رغم عدم سريان التعريف الاصلي المتشدد للميثاق. والنتيجة كانت عدد من القوانين والمؤسسات الدولية لمساعدة المشردين في أنحاء العالم.
الرقم السحري
مع مرور الوقت لاحظت وكالة الامم المتحدة للاجئين وجود ثلاثة حلول للاجئين، والتي لم تشمل منح الملجأ الفوري: العودة بارادة ذاتية إلى البلد الاصلي أو الاندماج في الدولة المضيفة أو الذهاب إلى دولة اخرى، وعادة تكون احدى الدول الغنية. من الافضل للاجئين العودة إلى بيوتهم، لكن كي يتم ذلك فانه مطلوب حل النزاعات التي تسببت في فرارهم، ولا توجد أي بوادر لحل كهذا في الصومال، سوريا وافغانستان. وتبين معطيات الوكالة أن عدد العائدين قليل وهو الاقل منذ 1983.
ونتيجة لذلك، بقي حل الاندماج والانتقال إلى دولة اخرى. وتستطيع دول الغرب أن تلعب دورا هاما في هذين الحلين. من اجل الاندماج في دولة ما قد تكون تعارض فتح اسواق العمل فيها أو أنها لا تريد القاء العبء على الخدمات الحكومية، وبامكانها تقديم مساعدة مالية ولوجستية. للاجئين السوريين في تركيا والاردن ولبنان فان كل شيء هام ـ سواء من خلال اعطاء القروض أو انشاء مناطق اقتصادية خاصة تساعد المدن والقرى التي تتحمل العبء.
السياسة الحالية تعارض حل اعادة السكن، حيث يتم نقل اللاجئين إلى دول غنية تكون مستعدة لاستيعابهم، وعادة عن طريق مساعدة الامم المتحدة. احيانا، بعد أن يتم منع دخول المهاجرين غير القانونيين، تقدم الدول الغنية وعود سخية لاستيعابهم في داخلها، لكن الوعود تبقى على الورق. فاستراليا مثلا تتهم احيانا بالاخلال بوعودها بزيادة عدد اللاجئين بعد قيامها بالقضاء على ظاهرة قدوم اللاجئين من خلال اعادتهم من البحر. الآن هناك علامات مقلقة على أن الاتحاد الاوروبي سيفعل ذلك ايضا بعد عدم الايفاء بالوعود. اضافة إلى ذلك، الولايات المتحدة التي تستوعب عدد كبير من اللاجئين، قامت بزيادة العدد قليلا، وارتدعت عن الاستمرار في استقبالهم.
بيتر ساترلاند، ممثل الهجرة الخاص في الامم المتحدة، قال إنه ليس من العدل أن قرب دولة من مناطق الحرب هو الذي يحدد مسؤوليتها عن اللاجئين. ومن اجل عدم حدوث ذلك يطالب الميثاق 51 بالتعاون الدولي، لكنه لا يضع مطالب محددة أمام الدول والمناطق التي لا تريد مواجهة ازمة اللاجئين. ولكنها كشفت ايضا عن أن وصول اللاجئين الذين لم يتم استدعاءهم، يُخل بالتوازن الاقتصادي والاجتماعي. ومن اجل منع وصولهم وقع الاتحاد الاوروبي مع انقرة على اتفاق يجبر اللاجئين على العودة إلى تركيا. كل ذلك يعبر عن الفوارق في التعامل مع اللاجئين بين العالم الثري والعالم الفقير. في أوروبا يحظى اللاجئون بمتابعة سخية وحسب معايير دولية. حيث أنه في جميع دول الاتحاد الاوروبي يحق للاجئين العمل قبل حصولهم على بطاقة لاجيء. وايضا يتم ضمان السكن لهم وحرية الحركة والدفاع عنهم في وجه أي تعدي رسمي. تعمل الخدمات العامة بصورة جيدة والمساعدة تكفي بشكل عام، وبعد خمس سنوات يستطيع اللاجئون في الاتحاد الاوروبي الحصول على الجنسية. ايضا اولئك الذين يتم رفض طلب اللجوء لهم، يحصلون احيانا على بعض هذه الامتيازات لأن الدول تجد صعوبة في اعادتهم إلى دولهم.
ونظرا لأنها لا تريد الغاء هذه الدفاعات، فان الحكومات في أوروبا تُصعب على طالبي اللجوء الوصول إلى حدودها. وهذا يشبه برنامج منافسة تلفزيوني، حيث يكون على اللاجئين التغلب على عدد كبير من الصعوبات من اجل الوصول. ولكن عندما يصلون تكون جائزة في انتظارهم. 86 في المئة من اللاجئين في العالم الذين ينجحون في الوصول إلى الدول النامية يجدون العكس.
أحيانا تكون الرحلة أقل صعوبة، لكن الظروف صعبة. ونظرا لأن دول مثل لبنان والاردن وكينيا قريبة من مناطق الحروب، فهي تجد نفسها تستوعب ملايين اللاجئين، خلافا لرغبتها.
هآرتس 1/6/2016
عن الايكونومست
صحف عبرية