بيروت – أحمد الطرابلسي: إن كان لنا أن نشيد بشيء، فإننا لن نستطيع الا التنويه بالعمل السينمائي في هذه الأيام. إنتاجات لبنانية وافرة تزخر بالأفلام المستقلة، وبمستوى تقني وفني يبشر بمستقبل قد يكون واعداً للشاشة الصغيرة التي عانت من الرداءة ردحاً من الزمن.
يتخرج سنوياً ما يقارب المئة طالب من معاهد الفنون البصرية في سوق عمل ضيق، انتاجاته محدودة، ومحصورة ببضعة أسماء فقط. مئة خريج/ خريجة، أي مئة فيلم قصير بالحد الأدنى لكل سنة، تتفاوت فيها جودة الأشرطة السينمائية وخبرات مشتغليها، لكن العشرات منها يشارك في مهرجانات دولية وعربية، وبالطبع هناك منها ما يحصد جوائز، على الرغم من المصاعب التي تواجه هذا الجيل.
مشكلتنا في الاستمرارية
زكريا جابر شاب يبلغ من العمر 22 عاماً، يعمل في مجال توليف الأفلام الوثائقية القصيرة وأفلام الطلاب والشرائط التجريبية، ويعدّ أخيراً أول شريط وثائقي طويل له. يتفق زكريا مع كثر في هذا المجال على أن «مشكلة الانتاج السينمائي تكمن في الاستمرارية»، وتعود الأسباب إلى عوائق مادية وتقنية وتفشي الاحتكار في المجال «الغاوي» لكثيرين من محبي الشهرة والتجربة.
أنجز الشاب، الذي يعيش في شارع الحمرا، منذ فترة قصيرة أشرطة تجريبية لأكثر من عمل موسيقي لأحد رفاقه. لم يكلفه الأمر فلساً واحداً. فقرر أن يحمل كاميراه والتجول في الشوارع والتقاط كل ما يقع عليه بصره. أثمر العمل الذي استمر لأشهر 4 شرائط قصيرة، بسيطة وغنية في المحتوى.
يقول زكريا لـ «القدس العربي» انه لا يمكنه التيقن بما سيكون عمله التجريبي، ولا يمكنه الاتكال على العمل الحرّ، لذلك يسعى إلى تطوير شركة انتاج صغيرة، أسسها منذ سنتين، سينصب كامل عملها على انتاج ودعم الأفلام المستقلة، «وهذا حلمي»، وفق ما يقول.
حلم زكريا تشاركه فيه سينتيا صوما (24 عاماً)، التي أنجزت فيلمها «مبروك» منذ فترة وجيزة، بعد أن أخرجت 4 أفلام قصيرة أخرى، بعضها وثائقي والآخر روائي. لا تصب الشابة العشرينية جهدها على الإخراج فقط. تكتب وتنتج وتؤلف بنفسها.. تراه ضرورة للوصول إلى الإحتراف. شغفها الأساسي هو العمل في الإخراج. وما يميز العمل السينمائي بالنسبة إليها هو «العلاقة التي تبنى مع الفريق ومع الممثلين بشكل خاص»، موضحة ان «ما يجعل صناعة الأفلام عملاً فريداً هو روح التحدي التي تشتعل في نفس المخرج، وسؤاله الدائم عن الجمالية».
إنتاج مستقل
شارك فيلم سينتيا الأخير في مهرجانات عدّة وحصد 3 جوائز (في مهرجان جامعة اللويزة، ومهرجان الفارس الذهبي في مالطا، ومهرجان صور السينمائي). وعلى الرغم من ذلك تجد صوما مشكلة هذا الوسط: أن «ثمة من لا يؤمن بالسينما. ومن الصعب إيجاد أي دعم يذكر لهذه الصناعة». وهي تتمنى لو كان باستطاعتها صنع أفلام من «انتاج لبناني مستقل».
تقول سينيتا: «ليس بالأمر السهل انجاز الفيلم، حتى ولو كان لا يتجاوز الدقائق العشرين. من الصعب حصر أحداث معينة في فترة قصيرة لتقديمها كوجبة سريعة على الشاشة»، مؤكدة انها ترغب في زيادة عدد المهرجانات التي تقدّر الأفلام القصيرة الطلابية والشابة، وتهتم بنشرها كـ»ثقافة سينمائية»، مشيرة إلى انها تتفرغ حالياً لقراءة نصوص ومشاهدة أفلام للانطلاق بفيلمها القادم.
البحث عن القصص
ويرى المخرج حمزة شمص (28 عاماً)، الذي أنجز أربع أفلام قصيرة إلى الآن، أن «السينما هي حقيقة ووجوب وصولها للناس كفن هو شيء مسلّم به، تماماً كالموسيقى والرسم وغيرهما من الفنون».
حاز فيلم حمزة «لولاما» في العام 2012 على جائزة من «نقابة السينمائيين اللبنانيين»، ويسعى إلى إرسال أعماله الجديدة إلى مهرجانات دولية. صحيح أن حمزة، كما باقي زملائه، يعترفون بأن «المال أحد المشكلات الأساسية في استمرارية العمل»، لكنه مقتنع بأن «السينما ليست فقط انتاج فيلم روائي والإكتفاء بذلك». هي بالنسبة اليه «بحث مستمر عن قصص الناس وما يجري معهم». وقد بدأ حمزة، ايماناً بذلك، العمل على سلسلة أفلام قصيرة ذات موضوعات عدة على موقع «يوتيوب». ويحلم الشاب بافتتاح سينما على منصة الموقع، لمشاركة ما ينتجه في لبنان، ويقول: «يمكننا أن نصنع أفلاما تحاكي كل لحظة نعيشها، والتركيز ليس دائماً على المشكلات فقط في ما نصنع».