الجزائر – صلاح باديس: منذ منتصف العام الماضي وكلمة التقّشُف في الجزائر على كل لسان، حتى صارت نكتة، منذ انخفاض أسعار البترول وبداية تصريحات المسؤولين عن إغلاق لمسابقات التوظيف في الوزارات والإدارات العمومية، مما سبّب هلعاً للطلاب اللذين كانوا يتحضرون لدخول المسابقات.
والتصريح الشهير لرئيس الوزراء: «إحنا لسنا في أزمة، لكننا سنعمل جهدنا للخروج من هذه الأزمة»، في حين تكلّم آخرون عن «ترشيد النفقات» بدل «التقشّف» صار المحلّلون يتكلمون عن «أبوكاليبس» استهلاكي. وبينما لا تصلنا من رئيس الجمهورية إلاّ رسائله وخطاباته في نشرة الأخبار. تتصِلُ بي إحدى الصديقات لتُخبرني بأنّها سمعت إشاعة تقول إنّ عبوات الـ «نوتيلا» (شوكولا) اختفت من المحلاّت وحتى من الأسواق الكُبرى، وأنّ أكثر من ماركة مكياج ستختفي. ثم تمازحني وهي تطلبُ مني أن أعود من فرنسا بعلبة «نوتيلا» كبيرة للأصدقاء.
وعند العودة في المطار، وقبل أن نجتاز جهاز الـ»سكانير» الأخير، حيث تُسلب من المُسافرين ولاّعاتهم وكل زجاجات السوائل، رأيت مسافراً جزائرياً يتخلّى عن كيلوغرام كاملٍ من الـ»نوتيلا» للموظّف الذي رماها في المزبلة. كل هذا والعام لم ينته، و2016 لم يصل بعد.
ليلة رأس السنة، وفي طريق العودة من سهرة غير طويلة، توقفتُ بالسيّارة قرب آخر محطة بنزين في طريقي. نزلت لأقرأ في لوحة الأسعار الإلكترونية، الأسعار التي تغيّرت بعذ منتصف اللّيل، ارتفعت كأوّل خطوة في تطبيق قانون المالية لسنة 2016.
لتر البنزين (من دون رصاص، النوع الذي تسير به سيارتي) ارتفع سِعره ليتجاوز، بقليل، سعر زجاجة المياه المعدنية، بعد أن كان ولِعقود من الزمن أرخص من الماء. كانت الطريق شبه خالية. أغلب النّاس في بيوتهم نائمون والقلّة الناجية لم تُنه سهرتها في الـ»كباريهات» والنوادي بعد. خمّنتُ في أول يومٍ للسنة أنّ عدد السيّارات سيقِل في الـ»أوتوروت» (الطريق السريع)، لكن بعد أسابيعٍ من هذا التخمين لم يحدث أي شيء.
يقول لي صديق، يعمل في شركة إستيراد وتصدير في ميناء الجزائر، إنّ «الوقت لا يزال باكراً على ملاحظة النتائج». وأصلاً ردّ فعل الجزائري في حكاية زيادة الأسعار، هو ردّ فِعلٍ يعود لفترة الإشتراكية والتعاونيات الاستهلاكية وأسواق الدولة التي كانت تُسمى «سوق الفلاح»، وضرورة توفر الواسطة، وقتها، حتى يحصُلَ الواحد على كيلو موز أو عُلبْ جبنة مستوردة.
أصحاب المحلاّت والتجار ستراهم يرفعون في أسعار سلعهم وخدماتهم بلا سبب ومن دون مراقبة. حتى الحلاّق الذي لا دخل له في كل هذا، ولا يتعامل إلاّ مع الشّعْر لن يُفوّت الفرصة. وعلى الرغم من كل هذا هنالك خوف لدى النّاس على سيادة الدولة. كلّما سمعوا أن الدولة ستتنازل عن بعض صلاحياتها الاقتصادية لجهات استثمار معيّنة. هذا من دون أن ننسى أنّ الإسفنجة التي تضعها الدولة بين السوق العالمية وظهرِ «الشعب»، لتخفيف الضغط وشراء السِلم الإجتماعي، قد إهترأت. يذكرني صديقي أيضاً بأن الشاحنات، التي كانت تصطف بالعشرات أمام مدخل ميناء الجزائر، قلّ عددها، بالتوازي مع عدد الحاويات الذي انخفض إلى أكثر من النصف. لكن رغم هذا السلع لا تزال تدخل بطريقة أو بأخرى.
اليوم صار اليورو بمائتي دينار جزائري. مستوى لم تصله العُملة من قبل. ملامح الأزمة لم تتضح بعد (هذا إذا كانت هناك أزمة). صديقي يقول إن تقرير الميناء الفصلي سيخرج في شهر آذار / مارس القادم، وعندها يُمكننا أن نعرف فوارق الواردات بالأرقام. لكن رغم كل هذا، إلاّ أنني لا اُصدّق بحدوث الـ «أبوكاليبس» الاستهلاكي في الجزائر.
هنالك حلقةٌ ضائعة بين النظام والنّاس ولن يفهم أحدهم على الآخر، ككلّ مرّة، تماماً مثلما حدث لوالديّ عندما ذهبا منذ أيام إلى «صندوق التوفير والاحتياط» بعد أن قرأت أمي مربعاً في جريدة ناطقة بالفرنسية، واسعة الانتشار، يقول إن الحسابات التي لم تُسحب منها النقود منذ 15 عاماً، سيتِم استرجاع محتوياتها من قبل هذه المؤسسة الوطنية، وهذا في إطار قانون المالية الجديد لسنة 2016. وعلى الرغم من أنّهما كانا يستعملان حسابيهما في هذا الصندوق ذي الإسم الذي يذكّرنا بحكاية النملة والصرصور، لكنّهما، وككلّ موظف متقاعد يشعر بالملل، قرّرا الذهاب للاستعلام عن الأمر وليُحاسبا بدورهما الحكومة التي تأكل مال مواطنيها. هكذا قال أبي مُكلّماً صديقه المحامي، الذي لا يفعل شيئاً غير مقاضاةِ شركات خاصة وحكومية (بناء، أدوية، خدمات…) كلّما اشتبه في تقصيرها أو غِشها، قال له: هذه المرّة سنُقاضي الحكومة. طبعاً كان الأمر «بلا ساسٍ ولا راسْ»، نَفتْ الموظفة الشابّة الأمر، بل واستغربت من نوع دفاتر التوفير التي يملكانها، كانت دفاتر قديمة من سبعينيات القرن الماضي، أكبر من الموظفة نفسها.