صلاح باديس : أكثر قصص الأنبياء حضوراً في مخيّلتي هي قصة النبي إبراهيم. أعدتُ قراءتها عشرات المرّات وأنا طفل. أوّل مرّة كانت في السنة الثانية أو الثالثة إبتدائي، في درسٍ عن الحج وأركانه. وكالعادة كنت قد إطّلعت من أول يومٍ على كل النصوص في كتبي المدرسية، لكن القصة لم تستوقفني إلاّ يوم الدرس. ليس بسبب المعجزات التي فيها، فهنالك قصص أخرى، جاءت بما هو أعظم. ثم أنّ المِخيال الديني الذي يُفتَحُ في عقولنا منذ الصِغر يجعل الواحد يصدّق أشياء كثيرة، بل ويجدُ نفسه يبرّرها.
قبلتُ كل المعجزات من أول النّجاة من النّار (يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم) إلى قصة إسماعيل الذبيح (قال يا بني إني أرى في المنام أنّي أذبحك فأنظر ماذا ترى). تفاعلت مع لحظات رضوخ إبراهيم أمام زوجته سارة وتركه لهاجر وإبنها وسط صحراء لا أمل لهما إلاّ القدرة الإلهية التي لن تضيّعهما. شيءٌ واحدٌ إستوقفني يومها ودفعني لرفع اُصبعي (وأذّن في النّاس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍ عميق). تدفّقت الأسئلة على المعلّمة: كيف يمكن للنّاس أن يسمعوا رجلاً يُؤذّنُ وسط الصحراء؟ هل كان له صوتٌ عظيم لِيُسْمِعَ البُلدان البعيدة؟ ما الذي سيحملهم على المجيء؟ ثم من هم أصلاً هؤلاء النّاس؟ وبصيغة أنضج: أيّ هاتفٍ سيُخرِج النّاس من الفجّ العميق ويقودهم عمياناً لوسط الصحراء؟.
شعرتُ بتعاطف كبير مع إبراهيم في مهمته تلك، جعلُ الكعبة مكاناً للحج. أصعبُ شيءٍ يواجهه الكِبار هو خيال الأطفال، جيبُ الظِلّ الذي لا ينفكّ يتوسّع. تبرّمت المعلمة من الإجابة وقالت أنّ الأنبياء قادرون لأنّهم منصورون باللّه، لن ندخل في بقيّة كلامها والذي سيُحيلنا إلى تكوين عقل الإنسان المسلم منذ الصِغر.
المهم في كلّ هذا هو وِحدة إبراهيم، منذ أن كان يبحث عن إله في الشمس والقمر، خروجه من قومه، مناظرته للنمرود، ظُلمُ سارة لهاجر، وصولاً إلى بنائه الكعبة مع إسماعيل. إبراهيم فعل كل شيءٍ حتى لا يبقى وحيداً، لكن مهمته السماوية كانت تمتحنه أغلب الوقت في مواقف صعبة. هذه الوحدة التي إنتبهتُ لها منذ أيامٍ وأنا أقرأ مقالاً عن «حوت الـ52 هرتز» وهو حوت إكتُشف سنة 1989 في شمال المحيط الهادي، ويطلق صيحات بتردّد 52 هرتز وهو ما يعتبر معدلاً عالياً مقارنة بالمعدّل العادي (12 إلى 25 هرتز) ولهذا السبب لا يتواصل هذا الحوت مع غيره من الجماعات في مواسم التزاوج والهجرات، حيث تتواصل الحيتان فيما بينها بإطلاق الصيحات. الفرضيات متفرّقة بين كون هذا الحوت الأخير في سلالة هجينة للحيتان الزرقاء، وبين كونه حالة هجينة وحيدة وقد تمّ تتبعه، وتصوير أفلام وثائقية عنه، على مراحل عدة من التسعينيات إلى الألفين، ويسمى أيضاً بـ»الحوت الأكثر وحدة في العالم». ينادي منذ عقودٍ، يطلق صيحاته فلا تستجيبُ الحيتان. خللٌ في الجينات جعله يطوف المحيطات وحيداً. إختلفت السنوات والمواقف منذ أن كنت ذلك التلميذ الذي بالكاد يتعدى طوله المِتر، لكن نفس الشعور الذي تملّكني يوم درس إبراهيم، عاد مع الحوت الذي ينادي فلا يسمعه أحد. التعاطف مع الوحيدين أينما كانوا، فوق الأرض أم تحت الماء.
كاتب جزائري