بيروت – حنين الصديق: في قلبي كاتب كبير. أثقله بحزن يمنعه من الكلام. أظن أن كل تعابيره سخيفة، بسيطة، مكررة، لا تصلح لقراءة أحد. في قلبي كاتب مُحبّ. تُرك للوحدة والذنب، إلى ان كره البشر وابتعد عنهم.
في قلبي كاتب يعتقد أن الحياة تمنحه الكثير وهو لا يستحق سوى هذه الزاوية من العالم حيث لا يراه أحد منها. في قلبي كاتب لا يريد ان يكتب لأن البشاعة أعمته، وسرقت من رأسه كل الروايات التي ينسجها عن نفسه وعن غرباء يمشون في الشارع.
في قلبي كاتب أجده أحمق، ينتظر إشارة ما، ليكتب عن صور كثيرة تؤرقه وتغذي حزنه. في قلبي كاتب هجرني منذ زمن، أو نسيته، فلم اروضه للعيش معي كما اروض كآبتي وقلقي الدائم.
اخجل عندما يذكرني بنصوصي الصغيرة التي اخفيها حتى عن نفسي وأغلق الـ»لابتوب» فور رؤية كلمة منه. واكره نفسي، وابتعد اكثر عنه، حتى نسيت ملامحه. اهرب دائماً عندما يسألني احد هل تكتبين؟. اجيب بارتكاب بأن الوقت ليس مناسباً. وان سألت نفسي، لما لا تكتبين؟ اهرب من الغرفة، اتناسى الكتب التي أدمنت على قراءتها ونصوصي الصغيرة ومهنة الصحافة، واطمئن نفسي بانني سأبدأ كتابة روايتي في سن الثلاثين. لماذا الثلاثون؟ ستنتحرين قريباً. اؤجل الرد واهرب مرة اخرى.
في قلبي كاتب علمته ان يصمت مثلي. أن يبتعد عن كل شيء، حتى عني، إلى ان هجرني واصبحت ابكي كل يوم وامحي نصوصي القديمة بدلاً من الهرب منها. في قلبي كاتب يسمعني جيداً، عندما اتحدث عنه في سري : «لن اتركك وحيداً، دعني اكمل سيجارتي الآن». لن اكمل النص. في قلبي كاتب يعرف كل تفاصيل وحدتي، كرهي للبشر، علاقاتي الملوثة وخيبتي. كما يعلم انني اكره وجهي وجسدي وصورة الطفلة التي كنتها ولم استطع ان ابتسم لها أو اسامحها. في قلبي كاتب عجوز اسمر يشبه ابي في سن السبعين، لا يتفوه سوى بكلمات قليلة، تركته للفراغ يلهو مع حبوب مهدئة يأخذها قبل ان ينام لينسى انه متروك. في قلبي فجوة يسكنها كاتب صغير لا ينسى ان يفكر جيداً، قبل ان يعترف انه احب الكتابة، وانه يثق بالحياة لأنها اوجعته بما يكفي ليصبح كاتباً كبيراً.