القاهرة – أريج جمال : ذات يوم حكت لنا سوزان، المُدرسة في الفصل التمهيدي في المعهد الثقافي الفرنسي، عن داليدا التي كانت جارّة والدتها في حي شبرا قبل أعوام طويلة، حين كان والدا داليدا وأخويها، يعيشون في كنف عائلة مرحة ومحبوبة. تذكر والدة سوزان عن النجمة الشهيرة، أنها كانت مُشاكسة تُكلِّم البائعين بعربية مُكسرة، كالتي ظهرت بها في فيلم «اليوم السادس». تضحك كثيرًا وتتعامل بخفة ظل بلا حدود. لكن هذه ليست كل الذكريات التي كونتها داليدا في أذهان الجيران، وما نقلته الينا المعلمة سوزان. أنها كانت أيضًا (داليدا) تدخل في حالات صمت طويلة وشرود، كأنها كعالقة في مكان ما من نفسها، هكذا وصفت معلمتنا الموقف، مُستخدمة الكلمة الشبابية «تريب».
هذه الثنائية بين الاندفاع في محبة العالم، والانحباس داخل الذات هي التي صنعت في النهاية الميراث الغنائي الفريد التي أصبحت داليدا تورثه لاسمها كل عام جديد، بالإخلاص نفسه، حتى بعد موتها.
في العام 1970، وكما تقول «ويكبيديا» كانت داليدا قد وصلت إلى قمة أخرى في حياتها المهنية: جوائز ودورات حول العالم وحفلات مختلفة ومعجبون مهووسون بها. أحدهم حاول طعنها مرّة على المسرح، ربما بسبب غيرته عليها. فوق هذه القمة قررت أن تُغيِّر خياراتها الفنية التي أوصلتها إلى هُنا بلا خوف. كانت مخاطرة كبيرة بعد أن أدت عشرات الأغنيات الخفيفة مثل «بامبينو» الشهيرة. حينها قالت إنها لن تُغني بعد الآن إلا ما يُعبر عن أحساسيها، وعن الذات الداخلية جدًا، وهي ذات ربما ستكون مثيرة للكآبة.
أبحرت داليدا بقاربها في بحر لم يكن قد اكتشفه أحد. لم يبلعها البحر. بل أنه، في الأخير، قد انتسب لاسمها. أغنيات عدة أشهرها «أنا مريضة»، أو «كي لا يعيش المرء وحيدا»، وهي أغنيات على السُلم الموسيقي الصغير الذي يرمز إلى الحزن. لكن أيضا في العام 1973 قدمت داليدا نُسخة فرنسية من أغنيتها الإيطالية «كلام … كلام»، وهي أغنية بعيدة عن الحزن تتشكل من ديالوغ بين امرأة مُحبِّة ورجُلها الذي لا يفعل سوى الكلام. تبدو الأغنية كشريط قصير، بينما تؤدي فيه داليدا دور البطولة. يقف أمامها النجم السينمائي الشهير آلان ديلون، حين كان في ذاك الوقت صديقاً مقرباً لها، كي يؤدي دور العاشق المغرور الذي لن يعرف المُستمع أبدا إذا ما كان يُحب داليدا حقًا، أو أنه فقط يُريد الاستمتاع بوجودها. وهذا ما كان يجذبني شخصياً إلى قصتها.
هُنا الثيمة الرئيسة للأغنية إنه «لا شيء غير الكلام»، وهي عبارة ما زالت تُنجبها قصص الحُب في العصر الحالي، خصوصا مع أبناء العلاقات الافتراضية في «الفيسبوك» أو «الواتساب». قصص حُب لا يوجد فيها شيء غير الكلام أصلا. وإذا كانت هذه القصة المُفرغة من نفسها مُثيرة للألم وخصوصا للطرف الأنثوي، الأكثر عاطفيّة، فإن داليدا ستظهر مُتماسكة تمامًا، ومُصرِّة على موقفها «كلام مرة أخرى، أنت متى بدأت، لن تتوقف».
يتكلم النجم الوسيم آلان ديلون عن الحُب بحياد عاطفي، مُثير للغضب، يقول لها: «كأني أراكِ للمرة الأولى»، أو «أنتِ الأمس والغد والرجاء الوحيد». وحتى حين يرجوها أو يُقسم لها بالحُب فإنه يبدو غير متورط. وبشكل غير متوقع، تقف داليدا أمامه كلاعبة تنس شجاعة. هي صاحبة التكوين الجسدي المُميز، كل مرة كي ترد العبارات القصيرة إليه وتُثبت خيبتها «كارامل بونبون وشيكولاه». وحتى حين تتحدث داليدا عن «الذكريات أو الأحلام الماضية»، وكأنها الوحيدة التي تذكرها في هذه العلاقة، لن تبدو كامرأة مُلتاعة، لأن وقت الأحلام انتهى، والذكريات لن يكون لها معنى بعد أن ينساها المرء.
لم تكن تصدعات داليدا الداخلية تظهر في صوتها. صوتها وحده ما زال يحافظ على قوته وحدته مثل سكين. حكمة قديمة وكبيرة تحزن لكنها تُسامح. هكذا هي هُنا، ولا مرّة تخلّت عن الكبرياء والهدوء، وهي تصف الكلام بأنه محض كلام. يعلو صوتها على الصوت المائع لديلون لكنه أبدا لا يسقط في الانفعال. تخرج داليدا ما تبقى من رماد الحُب إلى الشمس، كي تُبعثره لها عن طيب خاطر.
لم تكن الشُهرة التي حققتها النجمة الإيطالية – الفرنسية حول العالم شهرة عادية، أو تُشبه شهرة حققها أي نجم عالمي آخر. لقد كانت حالة استثنائية، لأنها تبدو على نحو ما، شهرة تورثها داليدا لنفسها، كلما مرّ وقت على اختفائها. فهؤلاء الذين يولدون بعد، حتى تاريخ وفاتها بعقود، مازالوا يصغون إلى أغنياتها، ويحاولون اكتشاف ما يعنيه كلامها. حتى أنا هنا، لا أزال أورط نفسي بها.