عمان – صبا أبو فرحة : حوّل كلب هبة الكايد (23 عاماً) إلى فتاة نباتية. لم تكن القصة أسطورة أحاديث صديقاتها اللواتي صرن يتندرن بالحادثة. الفتاة التي تعمل في شركة حواسيب آلية، قلبت حياتها رأساً على عقب، أو للدقة حوّلت حياة معدتها إلى أخرى صحية، وعلى اكثر تقدير، هذا ما تعتقده هي.
هبة بعد تربيتها كلب صغير، وتعلقها به، اكتشفت ان حبها للحيوانات دفعها عنوة إلى الاقتناع ان أكل لحومهم «شرّ مطلق». تقول هبة ان القرار الذي يصفه البعض بـ»الغريب»، لم «يؤثر على خياري بل زادني ثقة بأن ما ذهبت اليه هو الصواب، لا يهمني ما يقوله الناس. انا مقتنعة بخياري».
قصة هبة ليست استثناءً في الأردن. فكثر من الشباب، من مربي الحيوانات، اعتمدوا نظام الــ «فيجن». الا ان البعض ايضاً ذهب إلى هذا الخيار لأسباب اخرى. فاخترع هؤلاء ثورتهم الغذائية، ضد المنسف، الطبق التقليدي الأكثر شهرة في الأردن.
فبالنسبة للبعض ما يزال هذا الطبق الأكثر تفضيلاً وكمالاً في قيمته الغذائية. ولكن بالنسبة لآخرين من الشباب، لم يعد الجوع يُشبع بأطباق تدخل اللحوم في طهيها، فاستبدلوا بها وجبات تستند إلى مكونات خضراء وبقوليات، لتنتشر ثقافة جديدة، في أوساط الجيل، تنافس أطباق الأمهات المنزلية الدسمة.
أسباب أخلاقية
فارس ماضي (31 عاماً) يعمل في أحد البنوك في عمان، يتبع النظام النباتي منذ منتصف العام 2009. يقول إن الاسباب التي دفعته إلى هذا النظام الغذائي «أخلاقية وبيئية»، مفسراً أن «الصناعة الحيوانية هي واحدة من الأسباب الرئيسة للإضرار البيئية»، مضيفاً: «منذ اتخاذي هذا القرار وصحتي في تحسن مستمر. لا أعاني من أي أعراض في سوء التغذية، وأشعر برضى تام عن هذا الخيار الذي قمت به».
اما مصممة «الغرافيك» مرح رجال ( 22 عاماً)، فلها أسبابها المختلفة. فدراستها في ألمانيا، حيث كان معظم من تعاملت معهم من «أتباع» هذا النظام الغذائي أثروا فيها، وكان لمتابعتها بعض الأفلام الوثائقية، وقراءة كتب عن النظام الغذائي النباتي، تأثير كبير في الاتجاه نحو نظام جديد يعتمد على النبات. تقول: «تحولت يومياتي. صرت اهتم شيئاً فشيئاً بأكل الخضار والفواكة وأخفف من اللحوم، إلى ان اصبحت لاحقاً نباتية. وجميع ذلك بمثابة ثقافة تراكمية اتبعتها»، موضحة: «الأكل النباتي مريح ويزيد من ثقة الانسان بنفسه. وانصح كل شاب في مجتمعنا العربي ان يعمل على تغيير نظامه الغذائي والاعتماد على نظام الفيجن».
التحول أصبح مقبولاً
ترى هبة عبد القادر، مختصة التغذية، أن النظام النباتي «الفيجن» هو نظام «صحي إن تم التعامل معه بطريقة صحيحة»، مفسرة أن «النظام يجب أن يقوم على التنوع بتناول كل المواد الغذائية المختلفة من بقول، وخضراوات، وفواكة، وغيرها مما يعد منتجاً نباتياً»، مشيرة إلى ان «حالة التنويع ستعوض أي نقص قد يكون في البروتينات»، معتبرة أن «تغيير العادات الغذائية للتحول إلى نظام صحي، أصبح مقبولاً للشباب الأردني أكثر من ذي قبل، لعل الأسباب تعود إلى الإحتكاك بالأجانب، والعولمة التي أدت إلى سهولة الحصول على المعلومات الغذائية بطريقة سلسلة».
وتعتقد عبد القادر أن «التطور العلمي خاصة في علم التغذية أظهر أن الأطعمة النباتية تحتوي على كل ما يحتاجه الجسد من بروتينات، وفيتامينات، ومعادن، مما يعني أن الاستغناء عن اللحوم ممكن، حيث أظهرت العديد من الدراسات الحديثة أن كثرة تناول اللحوم قد يؤدي إلى أمراض مزمنة مثل تصلب الشرايين».
فكرة ليست سهلة
ويرى د. عبد الباسط محمد، أستاذ علم الاجتماع في جامعة الزرقاء الأهلية في عمان، إن «تقبل المجتمع لفكرة النظام النباتي، لن تكون سهلة، إذ أن طبيعة المجتمع الأردني لا تتقبل التغيير. ربما يعود السبب إلى العادات والتقاليد، أو لأسباب دينية، حيث أن اللحوم تعد مسألة عقائدية لبعض المتدينين، الذين يرون أن عدم أكلها هو إجحاف لنعم الله، من باب أن الأنبياء لم يكونوا نباتيين، وبالتالي فإن تغيير ثقافة المجتمع تحتاج إلى جهد ووقت. وبسبب هذا التعنت أعتقد أن الأمر مستحيل في الوقت الحالي، حيث أن عدد النباتيين «الفيجن» لا يتجاوز الألف أي 0.0001%»، بدون توضيح مصدر الرقم الذي تحدث عنه.
بدع «مخملية»
يرفض مصطفى محمود (20 عاماً)، وهو طالب طب في الجامعة الأردنية، فكرة النظام النباتي، معتبراً أنها «بدعة غذائية ستنتهي كما انتهت غيرها من البدع الأخرى»، مشيراً إلى انها بدعة «تقودها مجموعة من الطبقة المخملية ليس أكثر».
وتعترف مرح بأن تقبل المجتمع المحيط لاختيارها لم يكن سهلاً. لكن ما جعلها تستمر هو «احترام والديها لقراراتها الغذائية، رغم تخوفهما من عدم حصولها على نظام متوازن، وتشجيع المدربين الرياضيين ذوي الخلفية في علم التغذية، في حال قيامها بتناول الطعام بشكل صحيح». أما هبة، فلا تزال تتحاشى التحدث عن نظام غذائها النباتي «الفيجان»، «بسبب إطلاق مجتمعها المحيط لأحكام سريعة، خاصة حين يعزفون على وتر الدين».
وما بين اختلاف الاختيارات، فإن النظام النباتي بدأ يأخذ صدى بين الشباب الأردني، الذي يأمل يوماً ما تقبل المجتمع له كما في مجتمعات أخرى. دعوة يقوم بها هؤلاء الشباب لتأمين حياة أكثر صحية، وتناسب البيئة في ضوء تزايد أسعار اللحوم، واستخدام الهرمونات لتسريع نموها. فهل سيكون لها صدى في بلد مثل الأردن؟ وهل تنجح ثورة الـ»فيجن» في مقارعة طبق المنسف؟