أنا الحالم من دون تعليم

حجم الخط
0

بيروت – علي حايك: لم أكتب يوماً موضوعاً جيداً في حصة الانشاء. كانت المعلمة تدوّن في أعلى الصفحة «خارج النص»، ولم اهتم للموضوع ولم اكن احب المدرسة. تركت التعليم من دون ان احصل على اي شهادة اعلقها فوق جدار الصالون، لتتباهى بها أمي امام نساء قريتنا الصغيرة. المدرسة كانت اسوأ ما فعلته في حياتي.
فرحت حين أخذت عطلة المراجعة لامتحان الشهادة الرسمية قبل أصدقائي بعشرة أيام، فالمدير لم يتحمل سماجتي، قال لي بصوت واثق يومها: «ما عاد تجي لوقت يخلص طلبك. انا رح دقلك بس يخلص».
لم أدرس في العطلة حرفاً واحداً. فضلت النوم ومحاولة إنهاء لعبة السباق التي حملتها على شاشة الكومبيوتر، وتعلم لعب «ورق الشدّة». رسبت في الدورتين الأولى والثانية، ولم أحزن أو أتأثر. أجبرت على التعليم ودخلت المدرسة المهنية. قضيت السنتين في الملعب الصيفي، ادخن سراً تحت اشعة الشمس، ولم اكمل السنة الثانية وتركتها قبل الامتحان النهائي بشهرين، بعد ان رميت حقيبة ظهري بوجه المدير وخرجت من الصف وبوابة المدرسة واوقفت سيارة أجرة متوجهاً إلى منزلنا، وأنا احس ان ثقل التعليم صار خلفي.
اندم الآن كثيراً كيف أجبرت على قضاء سنوات من حياتي، وانا احشو رأسي بمعلومات لم استعمل منها شيئاً، ولا حتى القاعدة التي تقول «طول الضلع × طول الضلع» لأستخرج مساحة المربع أو قاعدة النسبية أو أي قاعدة اخرى. وقصة موت الأمير قرقماز داخل المغارة خنقاً من دخان الحريق لا تصدق، ولم أصدقها إلى اليوم. كان من الأفضل ان اتعلم اشياء احبها. العزف على إحدى آلات النفخ أو العود وتعلم النجارة والعمل بها الآن وامتلاك مشغل صغير لأعمال الخشب. لو فعلت هذه الأمور كنت سأقتني منزلاً صغيرة من غرفتين فقط، واحدة للنوم و الأخرى للجلوس فيها معتلياً الكرسي الهزاز.
كنت الآن سأجلس مع احد اصدقائي الذين هم من مستوى غبائي. نحتسي الشاي مع تبادل النكات الغبية هي ايضاً. أو برفقة حبيبتي التي اعجبت بغبائي طبعاً، نتحدث عن طول شعرها المناسب وعن أشياء غبية أخرى، كأصناف الورود التي سنضعها قرب النافذة. أو قد اقتني آلة تصوير أو سيارة أجرة أجول بها شوارع بيروت طوال النهار. استمع إلى صوت فيروز، وأردد معها «زعلي طول انا وياك»، وارتشف فناجين القهوة «الاسبرسو» الرخيصة، واتذمر من طول وقت الانتظار، على احدى اشارات العاصمة المكتظة بالبشر والآليات والضجيج، واشتم رجال الشرطة من دون سبب لمجرد رؤيتهم على ناصية الطريق.
حياة التشرد والضياع كما تسميها أمي أفضل بالنسبة لي من التقيد بقوانين وابنية مضجرة. فأنا أملك الوقت الكافي كي انظر للأمور الجميلة والجيدة في نظري، التي كانت أشياء تافهة في نظر استاذ الفيزياء الذي قابلته اثناء الفترة التي قضيتها في المدرسة المهنية ادرس المحاسبة، والتي هي ايضاً لم اخترها لحبي لهذا المجال، بل لأن المدرسة في القرية، ولا يوجد فيها سوى 3 اختصاصات، اخترت واحدة منها.
أشعر بالرضا لأني تركت المدرسة، ولم اتحول إلى «الدكتور علي» أو «المهندس علي»، كما أراد أهلي ونصحني المجتمع كي أحصل على الامتيازات الاجتماعية بينهم. أنا الآن حر للغاية، أجلس مستمتعاً … بالحياة.

أنا الحالم من دون تعليم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية