ليحاكم أطباء مصر بسبب «سذاجتهم»

حجم الخط
0

محمد بن جمال: يعدّ دخول كليات الطب المصرية مختلفاً عن كل دول العالم. ففي انحاء الدول يتقدم الطلاب لدراسة الطب لشعورهم بأنهم يهوون ممارسة المهنة، ويريدون قضاء حياتهم في مداواة المرضى. اما في مصر فيدخل الطالب كلية الطب اما خوفاً من اهله، أو خوفاً على المجموع الكبير الذي قد حصل عليه في الثانوية العامة. فحصولك على مجموع كبير في الثانوية العامة ليس بأمر يسير. حيث تجد كليات الطب تقبل كل شخص حصل على مجموع لا يقل عن 99% اي انها تقبل طلاب في ثوب ملائكة معصومين من الخطأ. فمن يمكنه الحصول على تلك الدرجات هو بمثابة مشروع عالم صغير. فتلك الـ 99% نتاج سهر الليالي ودروس خصوصية في كل المواد. حرمان من وسائل الترفيه والمتعه طوال عامين كاملين، يدخل من بعدها ذلك المسكين إلى كلية الطب بعد ان فقد جزءاً لابأس به من بصره، وازداد في الوزن كيلو غرامات بسبب جلوسه منكباً على مراجعة الكتب، وأصيب بتقوسّات في العمود الفقري، والتصاق في الفخذين احياناَ، ليتفاجأ بمشوار السبع سنوات يقضيها مهرولاً من المشرحة إلى مختبرات الكيمياء الحيوية وقسم الكائنات الدقيقة، مروراً بقسم علم الانسجة وعلم الامراض. ولينتهي به الحال في اقسام الباطنة والجراحة، منتظراً ذلك اليوم الذي سيصبح فيه طبيب المستقبل، بعد ان يقضي سبع سنوات دراسة لا يمكنه الاستمتاع بحياته الجامعية، مثله مثل باقي اقرانه في الكليات الأخرى.
تكون اقصى أمانيه الرومانسية ان يأخذ كشكول المحاضرات الخاص بزميلته التي دق لها قلبه. تتمثل رحلاته الصيفية في «نبطشيات» في مستشفى ابو الريش الياباني، أو حاملاً اكياس الدم في مستشفى القصر العيني، بعد ذلك يدخل سنة الامتياز حتى يكمل الثماني العجاف كاملة، ليحصل وأخيراً على لقب طبيب، ولكنه سينتظر نتيجه التكليف.
فالحكومة ستبادله بسنتين في منطقة نائية في قرى دلتا مصر، حتى يعرف ان سنوات الدراسة لم تكن سوى بداية النهاية. وفي أثناء تكليفه يقوم بتقديم ورقة إلى القوات المسلحة ليلتحق بالتجنيد الاجباري، ونظراً لما مر به الطبيب في حياته الدراسية والعملية في التكليف من رفاهيات تقوم القوات المسلحة، بمكافأته بدخوله الجيش ثلاث سنوات كضابط احتياط. يتخرج من بعدها وقد مرت من حياته 11 سنة لم يفعل فيها اي شيء يؤسس حياة. يتخرج ليكتشف انه على اعتاب نسيان ما تعلمه. يتخرج ليجد نفسه مطالب بتحضير دراسات عليا كي يصبح طبيباً من حملة الماجستير والدكتوراه، يعتقد انه بعد ذلك سيصبح مقدراً من المجتمع، فلا يجد سوى الضرب والاهانة من اهالي المرضى وامناء الشرطة في المستشفيات. يعتقد انه سيلاقي تقديرا ماديا فيجد نفسه يقضي كل عمره بحثا عن الكادر. يعتقد انه من حقه ان يتساوى بالثلاثة الكبار في الدولة: الجيش والشرطة والقضاء، ولكنه يسمع جملة: «دول اللي بيحموك ولو مش عاجبك، ابقى خلي امك تحرس الحدود أو تقبض ع الحراميه»… ولكنهم ينسون ان ذلك الطبيب قضى 3 سنوات في حراسة الحدود ايضاً، ومازال يمارس مهنته في ظل تلك الظروف ولم يحدثنا قائلاً: « ابق خلي امك تنزل تعالج الناس في المستشفيات»، لذلك يجب محاكمة الاطباء على سذاجتهم.

كاتب مصري

ليحاكم أطباء مصر بسبب «سذاجتهم»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية