«التجنيد الإلزامي»… دافع جديد لهجرة الشباب العراقي

حجم الخط
0

بغداد – جلجامش نبيل: يعدّ العراق أول بلدٍ يُشرّع فيه قانون التجنيد الإلزامي إبان حكم الملك الأموري حمورابي لبابل. وفي تاريخ العراق الحديث، عاد التجنيد ليكون إلزاميا في العام 1935 وظل كذلك حتى قيام الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر بإلغائه في العام 2003.
وربما تكون الفترة المنصرمة، والتي تزيد عن العقد من الزمن، كفيلة بجعل الجيل الجديد من الشباب العراقي رافضا لفكرة التجنيد، إلا أن إعلان وزارة الدفاع عن تصويت بالإجماع على إصدار قانون اعادته، قد أثار ردود فعلٍ متباينة حيال تطبيق هذا القانون.
يتذكر العديد من الشباب بمرارة فترة التجنيد، إبان الحصار الإقتصادي في تسعينيات القرن الماضي، حيث كان الجنود لا يحصلون على ما يكفي من قوت يومهم، وكانوا يرون في تلك الفترة مضيعة للوقت. كل هذه الكوابيس ألقت بظلالها على تعليقات الشباب على مواقع التواصل الإجتماعي، والتي إشتعلت بالمنشورات الرافضة لخدمة العلم في الغالب الأعم.
يقول الحسين الطاهر، مهندس نفط من بغداد، «أعتقد أن ذلك يعني عسكرة المجتمع. لقد كانت الخدمة الإلزامية مطبقة في العراق منذ زمنٍ طويل ولم تقضِ على الطائفية، والدليل وجود كل هؤلاء الطائفيين والإنفصاليين الذين نشاهدهم اليوم، و لم تسهم بحماية البلد في وقت الحاجة».
ويبدو أن الفساد الإداري الذي يمسك بمؤسسات الدولة سببٌ آخر من أسباب الرفض. ولا يثق العديد من الشباب بالحكومة الحالية، وغير مستعدين للدفاع عن مؤسسة فاسدة، وفي أذهانهم فكرة تتمحور حول كون الأزمة الإقتصادية الراهنة المرتبطة بإنخفاض أسعار النفط هي السبب الرئيسي في إصدار مشروع القانون هذا، بهدف توفير مجندين يتلقون رواتب منخفضة، بدل نظام التطوع الذي يجتذب الكثير ممن يطمعون في الحصول على رواتب مجزية من وراء ذلك.
يؤكد المحامي الشاب حيان الخياط أنه لا يعتقد بأن للأزمة الإقتصادية دخل بالموضوع على إعتبار أن المتطوعين من أفراد الجيش لن يتم طردهم وستستمر رواتبهم كما هي». فيما يقول عمْر أحمد، الذي يعمل في قطاع التسويق، والذي يعارض القانون جملة وتفصلا، «تتطلب حياة الجندية وجود قادة أكفاء وطنيين ممن يحملون الجنسية العراقية. كيف ينتسب الفرد العراقي لجيش تحت أمرة قادة ذوي ولاءاتٍ أجنبية؟ فهل سنمتثل لأوامر رئيس وزراء العراق، القائد العام للقوات المسلحة، أم لأوامر رجال دين؟ وهل ستكون للمنتسب سلطة في الشارع تعلو على سلطة هذه الميليشيا أو تلك، ليقوم بتوقيف أرتالهم ومساءلتهم؟ وهل سنشاهد «أبناء مافيا الساسة» في صفوف الجيش أم في بارات دول الجوار؟».
وقد إعتمدت المؤسسة العسكرية الجديدة، ومنذ العام 2003، على نظام الخدمة التطوعية وسط إتهاماتٍ كثيرة من بعض الكتل بشأن التدخلات الحزبية في المؤسسة، ولهذا كان البعض يطرح فكرة التجنيد كحل. وعندما إجتاح تنظيم الدولة أجزاءً كبيرة من شمال غرب العراق، إزدادت وتيرة التطوع ضمن تشكيلات الحشد الشعبي بعد مطالبة المرجع الديني السيد علي السيستاني بتشكيله.
ويعتقد البعض أن القرار، في الظرف الراهن، لا يمتلك الأرضية المناسبة لتنفيذه، وذلك بسبب عدم إمكان فرضه على سكان إقليم كردستان العراق – الإقليم الذي يمتلك قوات البيشمركة الخاصة به. يؤكد عمر أكرم، الطالب في كلية الطب، من بابل، ان هناك نسبة كبيرة من الشباب العراقي (مُجنّدة إلزاميًّا) أصلا، وذلك بإنضوائها تحت راية تنظيمات مسلِّحة حزبية أو طائفية غير رسميّة. فهل نتوقّع من هؤلاء أن يقوموا بترك تنظيماتهم لإداء خدمة العلم؟».
يرد البعض على مبررات سن مثل هذا القانون باعتقادهم بأنه لن يساهم في رأب الصدع الطائفي في البلاد لأن الأجيال الأكبر قد خضعت للتجنيد من قبل ولم يغير ذلك من واقع الأمر. يقول حسن مازن الخيون، طالب الدكتوراه في الرياضيات من الناصرية، انه يتم التسويق للقانون على أنه الحل السحري الذي سيقضي على الطائفية ويقوي الأواصر الإجتماعية في حين أن موجة القتل الطائفي الأولى انتشرت بسواعد شباب خدموا في الجيش في عهد صدام حسين، وهو السبب الذي جعل الحس الطائفي يتنامى بسبب هيمنة التكارتة على الجيش».
ومن المفارقات الغريبة، ترحيب العديد من السيدات بالقرار وتعبيرهن عن فرحتهن به وإنتظارهن لتطبيقه بأسرع وقت، حيث شهدت مواقع التواصل الإجتماعي آراء كثيرة من النساء ترى في القرار فرصة لصنع رجالٍ أشداء. تقول زينة الصفار، مدرسة اللغة الإنكليزية من بغداد، «العسكرية تبني رجالا قادرين على حماية الوطن. والدليل على ذلك واضح من خلال الأزمة التي زامنت بداية دخول تنظيم الدولة للعراق وإنسحاب الجيش بشكلٍ مؤسف، لتبدأ بعدها حملة التطوع والتدريب على القتال وما رافقها من صولات وبطولات سطرها المقاتلون العراقيون ضد التنظيم». وتتفق رفل مناضل، الصيدلانية من بابل مع ذلك حيث تؤيد فكرة القانون «لأنها ستعزز من إنتماء الشباب لوطنهم»، وفق ما تقول.
ويرى البعض أن صعوبات العيش في العراق في حد ذاتها ثقيلة للغاية، وأن سن قوانين من هذا القبيل ستجبر الكثيرين على مغادرة البلاد والإلتحاق بقوافل المهاجرين إلى الخارج. يؤكد أكرم، ان «الشباب العراقي مُصاب بالإحباط الإجتماعي، جرّاء الأوضاع التعيسة في البلد، وسيزيد هذا القانون من إحباطهم». فيما يخشى البعض عودة أيام الديكتاتورية وتقييد حريات المواطنين في السفر والتنقل إلا بعد بيان موقفهم من الخدمة الإلزامية، فضلا عن إنتهاك حرياتهم الشخصية.

«التجنيد الإلزامي»… دافع جديد لهجرة الشباب العراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية