بيروت – جوزيف سلّوم: لم ينم هنري لوسيان في ذاك اليوم لشدة سعادته بما أنجز. خزانة والدته وشاطئ البحر في البترون كانا مساحة العمل الأولى. في ذلك اليوم صنع هنري أول قلادة له تيمناً بأخرى أعجبته. رأس إفريقي متدل بخفة، محفور على قطعة عاج ومربوط بسلسلة من الجلد وضعها حول عنقه ومعها تسع وعشرون قلادة تشبهها.
يكمل هنري قصة قلاداته اليدوية الأولى التي عرضها على «درج الفن» في الجميزة، في إحدى مهرجانات المحلة البيروتية بشغف، كأنه يحكي عن مولود «ساحر». بيعت كلها دفعة واحدة. ومذاك الوقت لم يتوقف عن استخدام مهارته في صناعة القلادات والأسوار، الذي يمازج فيها بين الأقمشة والمعادن والصدف. يسخر فيها طاقة الطبيعة ونظرته إلى الحياة، فالقطعة بالنسبة اليه مثل خلق وفلسفة، إلى ان صارت له حرفته في صناعة الإكسسوارات.
يقول هنري في حديث مع «القدس العربي» وهو منهمك بصنع قطعة جديدة بين يديه، «أنا لست تاجراً». فولعه بهذه المهنة، خلق لديه حافزاً بأن يمارسها كهواية اولاً، وما لبثت ان صارت مصدر رزق. لكن هذا الأمر لا يبدل شيئاً. فالهواية بالنسبة اليه هواية، حتى لو درّت المال. يؤكد الشاب الثلاثيني، بأن «إقناع الزبائن» أو مساعدته لهم في إختيار القطع ليس من إختصاصه، هو يصنعها فقط، ولا يهتم للمردور المالي، لذلك كتب لافتة وضعها على باب محله مكتوب عليها بوضوح: «الخدمة ذاتية».
من يدخل متجره يعرف طبعه فلا يزعجه الزبائن بأي سؤال. يختارون أقراطاً وأساور واكسسوارات تملأ ارفف المحل الضيق. لكل منها قيمة فنية غالباً ما ترتبط بثقافة اللبنانيين وقصة مرتبطة بهنري نفسه. ففي هذه الأعمال شيء من روحه وطبعه الهادىء والحذر. اذ غالباً ما يكون منهكماً أو متأملاً بالقطعة التي بين يديه، أو مستريحاً بقراءة صفحات من كتاب.
لا تخلو قصة هنري من التحديات، وحكايات يرويها عن صعوبات البيع فوق أرصفة الطرقات وفي هوامش الاحتفاليات والمهرجانات، التي تقام في العاصمة التي لا تنام، إضافة إلى المضايقات الأمنية التي يتعرض لها الفنانون والباعة، كونهم «يبسطون» اغراضهم على الطريق.
يتحدث هنري عن هذه التحديات كأنها من صنعته وأوصلته إلى هنا، يبدو فرحاً بالسنين التي قضاها قرب دكانة أبو ناجي في شارع بلس قرب الجامعة الأميركية. كان يعمل جاهداً في مواسم العطل لبيع تصاميمه أثناء فصول الدراسة. يقول: «لا أحب ما يحبه الناس»، فبرأيه أن الفنان الناجح، وليخرج بتصميم جميل، عليه أن يصنع ما يعجبه وليس ما يعجب الآخرين.
قصة ميلودي مشاهبة لقصة هنري. تقول الفتاة العشرينية أن «الفنون اليدوية» أسلوبها في التعبير، خصوصاً بعد عودتها من فرنسا وعدم قدرتها إيجاد عمل في لبنان. هذا كله دفعها إلى تحويل هوايتها لتصبح حرفة ومصدر دخل. لا تخلو «مهنة» ميلودي من تحديات تواجهها كشابة، حيث تغيب اي موارد دعم لهم، وأخرى تتعلق بعدم قدرتها وكثيرين من عرض أعمالهم في المهرجانات والمعارض لغلاء رسوم المشاركة، أو استئجار أكشاك لبيع اعمالهم.
بدأت ميلودي الشابة اللبنانية – الفرنسية بصناعة الأكسسوارات منذ كانت في فرنسا متأثرةً بوالدتها. كانت تجمع الأشياء التي نستعملها في الحياة اليومية لتصنع أقراط وأساور من مختلف الألوان والأشكال. أتت الشابة ا للإستقرار في لبنان منذ ست سنوات بسبب الأحداث التي حصلت في الجامعات في فرنسا، والتي بقيت لمدة ثمانية أشهر. عادت لإستكمال درساتها، ونظراً لصعوبة إيجاد عمل، تعتمد ميلودي على بيع التصاميم لتغطية جزء من حاجاتها. كانت الشابة في مرحلة البكالوريا عندما كانت بدأت بمزاولة هذه الهواية كهدايا لأصدقائها.أحبت ما كانت تصنع وإستكملت ذلك وعرضت هذه الأشياء للبيع على مواقع إلكترونية عديدة. تتحدث ميلودي عن كيفية صناعة بعض الأقراط والأشياء التي إستعملتها للخروج بهذا التصميم، تقول انه «من الصعب إستئجار متجر نظراً لغلاء الأسعار، لا بد من موجود موقع إلكتروني مخصص للفنانين اللبنانيين حيث يتكمنوا من بيع تصاميمهم بطريقة منظمة».
ويعد امتهان الفنانين الشباب لحرف يدوية وصناعات صغيرة ظاهرة في بيروت، التي تحولت معظم شوارعها إلى مراتع مفتوحة للجيل الصاعد، حيث تتجاور فرق الـ»برايك دانس»، ولاعبي «السكايت بورد» مع مغنيي الراب وعازفي الغيتار مع بائعي الحرف. وهو ما يشيع عن المدينة الـ»كوزموبوليتية» روحاً مغايرة عما يروّج عنها اعلامياً. اذ تبقى تحافظ في شوارع الحمرا ومارمخايل و»مونو» و»بدارو»، على طابعها المنفتح والتجريبي ليصبح الشارع جزءاً من حراكها الشاب وتداخله مع الاجانب الذين يعيشون فيها.