الـ «هاشتاغ» العربي… بديلاً من الحرم الجامعي

حجم الخط
0

باريس – أنور ماموني: اضطلعت الجامعات العربية، إبان القرن الماضي، بدور طلائعي في تأطير النقاش السياسي بين الشباب. ظل الحرم الجامعي على مدى عقود، حلبة مفتوحة للصراع الإيديولوجي وطرح البدائل الممكنة للإصلاح، لكن مع انهيار الاتحاد السوفياتي وفقدان الإيديـولوجـيا وهـجها، خلال عقد التسعينات، أحدثا تحولاً ملحوظاً.
لم يعد الحرم الجامعي بالزخم الذي كان عليه بالأمس، حتى داخل البلدان التي لانت فيها القبضة الحديدية للسلطة، وهو أمر يبعث على الحسرة، إلا أنها حسرة يشوبها الأمل، إثر بروز منفذ آخر للحشد والاستقطاب، وتداول الأفكار، عبر منصات التواصل الاجتماعي من «فايسبوك» و»تويتر» وغيرهما.

«هاشتاغ»

الـ «هاشتاغ»، أو الوسم باللغة العربية، بات اليوم إحدى الأدوات المألوفة في النقاش السياسي داخل الفضاء الإلكتروني. يكفي أن يطلقه مجموعة من الشباب، حتى ينتشر انتشار النار في الهشيم، ويحشد مناقشين ومحاورين في شتى المواضيع. والوسم بحسب موقع «هاشتاغس دوت أورغ» هو تلك الكلمة أو الجملة التي يجري استهلالها برمز #، من أجل فتح نقاش حول موضوع معين، انطلاقاً من وجهات نظر مختلفة.
وبما أن مستخدم «فايسبوك» أو «تويتر» يمكنه الولوج إلى منشورات أصدقائه أو منشورات من يقوم بمتابعتهم، فإن الهاشتاغ يتيح الاطلاع على وجهات نظر كتبها أناس ليسوا بالضرورة في قائمته.
الوسوم لا تلقى الحظ نفسه من النجاح. ثمة وسوم يجري تداولها على نطاق ضيق، هناك وسوم أخرى تحطم الأرقام القياسية في فترة وجيزة، وذاك ما فعله هاشتاغ «غرق طفل سوري»، الذي تم إطلاقه إثر انتشار صورة الطفل الغريق إيلان كردي، وهو مسجى على شاطئ البحر.
التعاطف مع إيلان عبر وسائط التواصل الاجتماعي وتقنية الهاشتاغ تحديداً، دفع بحسب مراقبين، بلداناً أوروبية إلى مراجعة سياستها للهجرة واللجوء، فخفضت القيود على المعابر الحدودية، في تعاطيها مع واحدة من أسوأ موجات اللجوء منذ الحرب العالمية الثانية.
ويراهن مطلقو الهاشتاغ على إكساب النقاش حرارة أعلى، عسى أن يبلغ آذان الساسة والمنظمات الدولية، سيما أن دخول الشخصيات الوازنة على الخط، يفضي إلى إعادة مشاركة الفكرة والمعلومة بوتيرة أسرع.

هاشتاغ ينتزع اعتذار الوزيرة

اضطرت الوزيرة المنتدبة في قطاع الماء في المغرب، شرفات أفيلال، إلى أن تقدم اعتذارها للمغاربة، عبر موقع «فيسبوك»، إثر تعرضها لانتقادات واسعة بسبب تقليلها من شأن معاشات البرلمانيين واعتبارها مجرد «قرشين» (جوج فرنك).
الهاشتاغ الذي حقق تداولات منقطع النظير في المغرب، فتح الباب أمام نقاش مجتمعي حول العدالة الاجتماعية في المملكة، فبادرت الناشطة والكاتبة، مايسة سلامة الناجي، إلى جمع 50 ألف توقيع، ثم بعثت بالقائمة إلى الديوان الملكي، لأجل إلغاء معاشات البرلمانيين.
هاشتاغ عاصفة الحزم، استأثر بحظ وافر من النقاش منذ انطلاق العملية العسكرية، سواء وسط المؤيدين للتحالف العربي الذي تقوده السعودية ضد تحالف الحوثي وصالح، أو بين مؤيدي حركة التمرد المدعومة إيرانياً.
ويبث المساهمون في وسم عاصفة الحزم، ما يرونها دحضاً لأطروحة الطرف الآخر، سيما مقاطع الفيديو التي توثق لانتهاكات حقوقية. لكن الإشكال الذي يبرز في كل مرة هو التحقق من المحتوى. إذ لم يعد من السهل إدراك ما إذا كان الضحية قد سقط بنيران التحالف أو بنيران الحوثي.

طلعت ريحتكم

أما في لبنان، فتحول وسم قصير للاحتجاج على تدبير النفايات (طلعت_ريحتكم)، إلى انتفاضة ضد الفساد الذي أنهك البلاد، فجرت ترجمته إلى تظاهرات حاشدة في الشارع، كما لم يتردد ناشطو دول عربية أخرى في مخاطبة مسؤوليهم مرة أخرى بالوسم نفسه، إعرابا عن الامتعاض مما بلغه أداؤهم.
الصحافي المغربي الناشط على موقع «فيسبوك»، محمود عبابو، يقول في اتصال مع «القدس العربي» إن «الهاشتاغ بات ضرورة من أجل تعميم قضية ما، كما أصبح باتت خطوة لا محيد عنها لأجل الحشد، وإنجاح المبادرات حتى تصل إلى أعرض قاعدة ممكنة من المتابعين».
رأى محمود أن «مستخدمي الهاشتاغ كثيراً ما يقطفون الثمار، ذلك أن حملات كثيرة عبر الوسم، أفضت إلى اعتذار وزراء، أو إقالة مسؤولين»، موضحاً أن «قدرة كل مستخدم للنت على أن يدلي بدلوه يتيح جس نبض الشارع، وإدراك تفاعل الناس مع قضية أو فكرة، بغض النظر عن مستواهم».

نقاشات سريعة

إن كان النقاش في الجامعة العربية، بالأمس، قد خاض في مشاريع فكرية، وانكب على رؤى للإصلاح السياسي، فأخذ الطلبة يقارعون بعضهم البعض فكرياً عبر الاستشهاد بما كتبه مفكرون، فإن التفاعل بات يجري اليوم، بكثير من السرعة، سيما أن موقع «تويتر» لا يتيح على سبيل المثال، سوى تدوين 140 حرفاً.
تبعاً لذلك، صار التفاعل موقتاً، يستحوذ على الاهتمام لكن دون أن يمتد زمنياً فينتج حلولاً أكثر استدامة، ذلك أن المتفاعلين سرعان ما يصابون بالضجر، فينصرفون إلى قضية أخرى تطفو على السطح، في ظل فوضى الأحداث.
لكن المتفائلين بالهاشتاغ ومخرجات نقاشه، يقولون إنه «بات يسد الفراغ»، ويضمن آفاقاً للنقاش والاحتجاج والتفاعل، بعد أن ظلت منابر الإعلام الرسمية ترسم حدود المعلومة والرأي على مقاسها، حين كانت البدائل غائبة، وبالتالي لا إشكال في المضي قدماً في التفاعل، رغم إشكالات الدقة وجودة المضمون.

 

الـ «هاشتاغ» العربي… بديلاً من الحرم الجامعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية