بيروت – علي فحص: يختلط الحديث عن أسباب التحاق الكثيرين بالعمل الصحافي في لبنان بعد سنوات من الدراسة في مجالات لا تمت إلى مهنة الصحافة بصلة. فبين الواقع الاقتصادي والبطالة واندماج الإعلام الحديث مع وسائل التواصل الاجتماعي، برز جيل صحافي لم يلتحق يوماً بكلية للإعلام. وهو ما أضفى حراكاً صحافياً ناشطاً، فبرزت أسماء شابة والتحق جيل بالعمل الميداني وكتابة المقالات، ساعياً وراء النشر والاسهام في المضمون العربي على شبكة الانترنت، من خلال التحقيقات والنشر الالكتروني.
يقول أحمد، وهو خريج معهد الفنون البصرية والسينما، أنه دخل مجال الصحافة لفضول يعيش فيه، و»بالتأكيد لتأمين مصروفي»، وفق ما يقول، مواظباً على الكتابة لصحف ومواقع الكترونية في لبنان. فأحمد، ومنذ تخرجه لم يستطع أن يجد عملاً يؤمن له مردوداً مالياً، ناهيك عن تردي وضع السينما في لبنان، وما تجر معها من شعور باللا استقرار في عمل معظم السينمائيين. والحاجة المالية، وفق ما يعبر أحمد، ليست الا لضمان تواجده في بيروت، وما يوفره هذا المردود من امكانات لعمل حر في مجاله كمشاريع تخرج، واخرى للتصوير.
ولا يرى أحمد مع هذا الوضع أن حاجته للمال، والتحاقه بمهنة الصحافة، ما يبعده فعلياً عن مجاله أو يوقفه عن اكمال مسيرته، بل أنها «مجرد استراحة موقتة» من السينما، تضمن له بكل الأحوال التدرب على الكتابة وما يليها من خبرة لكتابة مسودات «سيناريو» لأشرطة سينمائية لاحقة.
والحال، أن ممارسة أحمد العمل وشعوره بالاكتشاف يوماً بعد يوم، يزيد من خوفه في الاستمرار في مهنة ليست له، إن لم يجد بديلاً يسترزق منه، مؤكداً أن ممارسة الصحافة ستكون «انتقالية»، موضحاً أن المهنة ساعدته على تطوير مهاراته في الكتابة ووسعت اطلاعه على أمور كثيرة.
توجه أحمد إلى الصحافة، لا يشبه أسباب محمد، طالب الهندسة المعمارية. فالشاب العشريني لطالما أحب الكتابة، واعتبرها اعادة اعتبار لأحلامه المنسية. فهو كتب الشعر والقصص القصيرة واجرى الأبحاث والتحقيقات الجامعية، ويحب التدوين. ووجد نفسه قادرا على المضي وحتى التفكير باستمرارية عمله الصحافي. حتى مع ابتعاد الكتابة عن الهندسة المعمارية، يجد محمد طريقة للجمع بينهما، عبر التحقيقات المتعلقة بالتراث المعماري أو البنية المعمارية والمواد المتخصصة بالتنظيم المدني والعمارة.
تجربتي محمد في الصحافة كانتا كفيلتين ببلورة رأيه بالصحافة اللبنانية. الكتابة في الجريدة الطلابية في الجامعة، كانت مغايرة لكتابته في صحيفة محلية، وهو ما أوصله إلى قناعة بأن الصحافة اللبنانية «تابعة وغير مستقلة وهذا الامر المزعج بها»، وفق ما يقول. الا أن تعاطيه العلمي مع المقالات هو ما قد يحدث الفرق بينه وبين طالب كلية الإعلام، لناحية التخصص بمواضيع معينة، أو احتراف استعمال العبارات التقنية المناسبة، وهو ما دفعه إلى الاستمرار فيها.
ويحاول مالك، الخريج الجامعي في علم الفيزياء، أن يستفيد من مجاله العلمي في كتابة مقالات علمية. يطور الشاب موقعاً الكترونياً من دون مقابل، هدفه «نشر الوعي»، كما يقول، وهو ما يؤمن له فرصة الخلط بين اختصاصه والصحافة، في اطار كتابة مقالات مختصة، تمهد له مكانة في المهنة لاحقاً.
وإزاء هذا الواقع يتخوف خريجو كليات الإعلام من «استمرار الهجوم»، كما يحلو لبعضهم القول على المهنة. ويتوقف بعضهم عند ابتعاد هؤلاء عن الأصول والمبادىء والأخلاقيات التي يدرسونها لمدة 3 سنوات قبل تخرجهم، ليأتي شخص من مجال آخر و»يقطف» فرصتهم.
على أن هذه النظرة لـ»الغريبين» عن المهنة، قد لا تكون هي السائدة. اذ تختلف يارا، خريجة قسم الإعلام والمحررة في أحد المواقع الالكترونية مع هذا الرأي. تؤكد يارا أن «الجامعة لا تقدم الكثير للطالب في هذا المجال»، فالجامعة بالنسبة اليها «مختبر تفاعلي أكثر منه تعليمي»، وهو ما يفتح المجال امام الجميع و»ليس حكراً على أحد»، فمن يستحق سيعمل ولو لم يحمل اي اجازة تعليمية في الصحافة. لكنها تعتبر أن «أخلاقيات المهنة متعلقة بنزاهة الشخص وليس بالقوانين التي تُعلم، باعتبار قوانين المهنة في لبنان غير واضحة في الأصل».
يقول مالك ان المهنة ابنة المجتمع، ولذلك تتعلق مهنيتها بأخلاق الكاتب نفسه والتزامه الطبيعي، فهو يتابع دوماً ورشاً تدريبية في الكتابة الصحافية والنشر الالكتروني، فيما يحاول أحمد التعلم عبر قراءة الصحف والمقالات، أو طلب استشارة بعض الصحافيين والزملاء. في وقت يتشارك مالك وزملاء المهنة يومياتهم، ويحاول مراقبة عملهم من كثب، وخاصة عندما يتعلق الأمر بملاحظات المحررين. من ناحية أخرى، تظهر هذه المكتسبات من خلال «التحرير الأولي» الذي يعتمده أحمد مع رفاقه، حيث يقوم كل منهم بتحرير بسيط لمقالات الآخر قبيل ارسالها إلى محرر الجريدة.
يعيد هذا الكلام علاقة المجتمع اللبناني مع اللغة العربية، والتي كانت في مكان ما تضمحل جيلاً بعد جيل، واستعانة المنظومة التربوية باللغات الأجنبية في كل المجالات. وتعود اللغة، عبر الصحافة، في صورة رمزية، تؤكد اعتراف الأجيال، كوسيلة تحاكي واقعهم.
مع كل ما ذكر من تجارب، ولو كانت شخصية فانها تقارب وضعاً لا بأس به من حيث الوجود في الصحافة اللبنانية. هذه الميزة الجديدة في لبنان، تحمل كما غيرها بطبيعة الحال، اوجهاً عدة، سلبية وايجابية في الوقت نفسه. هي ترمز إلى «رأسملة القطاع» والذي يعطي فرصاً لهؤلاء بالدخول اليه وبدافع أكبر. في الوقت نفسه تعيد هذه التجارب إلى الأذهان، حرية التعبير عن الرأي، وهو ما غدا واضحاً خلال الحراك اللبناني، من خلال المقالات التي تصف المشاركة والمظاهرات وكتابها على الغالب، ليسوا الا ناشطين، لا صحافيين.