مصر – أحمد شوقي علي: هل الخيال أن أستلقي على الأرض شاخصًا إلى السقف، فأرى الأرض الطبيعية الجديرة بالمشي، أم أن الخيال هو في استلقائي على الأرض ذاتها المنوط بها أن تكون سقفًا؟ وما الذي تفعله الكتابة إذا لم تحل تلك المعضلة؟
عندما اخترعوا السلم الكهربائي واستوردته مصر لتضعه في محطات الـ»مترو»، زينت درابزينه بأشكال هندسية تشبه رؤوس الأسهم، وكلما استخدمته للصعود أو الهبوط كنت أضغط على تلك الرؤوس لتنفجر، فينهار العالم بينما أجتاز النيران دون أن يصيبني أي مكروه. اليوم إذا ضغطها أي إرهابي –غيري- ستنفجر لتحولني والعالم من حولي إلى أشلاء، فأي الفعلين كان الحقيقي وأيهما الخيال؟ وبماذا تفيد الكتابة إذا لم تحل تلك المعضلة؟
كنت طفلا في الثامنة حين ألفت كتابي الأول. كان غلافًا باقيًا من ذكريات الحضانة. تبرز على مقدمته نملة لها رأس أضخم من مؤخرتها، بينما تقف كسيحة على قوائمها الأربع. أخفيت رأس النملة بلاصقة التعريف المدرسية ودونت فوقها: «قصة بوليسية، تأليف أحمد شوقي». فيما لم أضع داخل ذلك الغلاف ورقة أو حتى كلمة واحدة حول أحداث تلك القصة المدهشة. وحين أنخل ذاكرتي –الآن- لأعرف ماذا فعلت بذلك الكتاب أرى بوضوح أن طريقي إلى الكتابة وفي خضمها لا يختلف كثيرًا عن محتواه.
وفي أول مقابلة عمل أجريتها للالتحاق بالصحافة، كنت على مشارف الثامنة عشر، قلت، كإجابة عن سؤال حول السبب في رغبتي ممارسة الكتابة، إنني: «اعتدت الكذب كثيرًا وأنا صبي، وودت لو استثمر تلك الملكة الآن». ربما صغت، من دون قصد، إحدى الإجابات الموضوعية حول سؤال الكتابة، ولست مهمومًا الآن بتفنيد أسباب إقدامي على ممارستها قدر اهتمامي بوصف تجربتي تلك مع الكتابة، لكن إجابتي التي تشير إلى قدرتي على الكذب عبر اختلاق قصص ليست مبررًا كافيًا للكتابة، ولا يمكن اختصارها كتوصيف للمشروع الأدبي. فالقدرة على التخييل أداة من أدوات الإبداع، ولا يمكن أيضًا اعتبار ذلك الاهتمام الذي أوليته طفلا إلى الغلاف دون المادة مشروعًا للكتابة، بالطبع يشغلني الإطار أكثر من الفكرة. أدعي أن لدي العديد من القصص التي أستطيع تخليقها أو حتى اقتباسها من الواقع وتجربتي الإنسانية فيها ما يملأ العديد من الكتب، فهل أستطيع، بعد تجربتين فقط، أن أصيغ عنوانًا لمشروعي الإبداعي؟ ربما لا أستطيع ولن أستطيع حتى إذا ألفت عشرات الكتب.
ليس المشروع الإبداعي، في ظني، مصطلحًا جاهزًا يطلقه النقاد عفوًا على منجز كمنجز نجيب محفوظ الأدبي مثلا، وإنما أفهم لفظة «المشروع» من خلال الطبيعة المادية التي تحتملها الكلمة ذاتها. ليس المشروع أن أفتح مصنعًا لإنتاج الأحذية ويفتح غيري مصنعًا لصنع القبعات، أو أن أرصد التاريخ اللبناني مثلما هو الأمر عند ربيع جابر أو الصحراء كما يفعل إبراهيم الكوني، وإنما المشروع هو ذلك الهيكل الذي أقيم من خلاله هذا المصنع، والذي يضمن لي الاستثمار فيه قابلا المكسب والخسارة، أي مايضمن لي استمراريته.
ربما اكتفيت الآن وفي تلك اللحظة بما أصدرت من كتب، فهل يعني ذلك أنه ليس لدي مشروع أدبي، ومن خلال الطرح ذاته هل يمكن ألا نعتبر منجز يحيى الطاهر عبدالله، الذي توفي في الأربعين من عمره، مشروعًا أدبيًا متفردًا؟
أعرف أن لدي طموحًا في الكتابة وأود بلوغه، لكن الطموح هو سلوك إنساني فردي بالأساس، ولا أجد فائدة من إشراك قارئي فيما أطمح إليه، بقدر انشغالي في أن نتقاسم معًا ذلك الجزء الذي يبقينا نسير على الأرض فيما نوقن أنها السماء، ونهدم عوالمنا برغبتنا في الخلق، لا أن يهدمه الإرهاب بصوره المختلفة كلها.