سهر الشباب في الجزائر: مساحات الليل الضيقة

حجم الخط
0

الجزائر- صلاح باديس: Alger by night هو إسم برنامج إذاعي شهير على راديو «البهجة»، كان يبُث طيلة سنوات الألفية الثانية، للمُذيعة سامية مولاي. كان البرنامج، وككل برامج الراديو الليلية، يدعو المستمعين إلى التحدّث عن «الحياة». والحياة في برامج الليل هي ما حدث في الماضي، وما يحدث معنا في الحاضر/ نهارنا… والمُستقبل مُسقط.
يحكي المستمعون عن ذكرياتهم وتجاربهم في الحياة (خيبات الحب دائماً ما يكون الموضوع المفضّل). كنت وقتها في الثانوية، ولم أكن اُفوّت أي حلقة. وغالباً ما كان المذيعون الأكبر سنّاً ينطلقون في الحديث عن فترة عملهم باللّيل خلال فترة التسعينات، فترة الحرب الأهلية وحظر التجول.
مع الوقت تشكّلت عندي قناعة أن لا حياة في ليل العاصمة، وأنّ الجميع يجلس إلى الراديو يستمع لسامية مولاي وهي تحكي بصوتها المُميز عن حكايات المدينة في الليل، تسأل المتصّلين «أين أنتم الآن؟» «في البيت. في بيت العائلة. أعمل كحارس ليلي. أجلس في الحومة مع الأصحاب.وحيدة في غرفتي»، خاصة في الشتاء، كنت متأكدا أن لا حياة في الخارج. لاحقاً سأكتشف أن مئات الآلاف يفكّرون مثلي، الليل سُمعته اللا حياة، وتعيش الملايين تلفّهم عبارات مغلوطة تماماً مثل «العاصمة التي تنام باكراً» أو «المدينة الخالية من الحياة ليلاً».
الحرب الأهلية في الجزائر كان لها تأثير كبير على الحياة الليلية، فبعد سنوات من حظر التجوال ومن إنعدام الأمن، سنوات جعلت من الليل في ذهن النّاس مساحة لمُحاولة «البقاء أحياء» بالرجوع باكراً إلى بيوتهم. صارت الجزائر العاصمة وخاصة وسطها تشبه عضواً ضامراً، لكن ولنفس الأسباب نجد حياةً ليلية في أمكنة أخرى. حيث أن أحد أكثر الأماكن نشاطاً ليلاً «شارع سيدي يحيى»، والموجود في أحد أرقى الأحياء بأعالي العاصمة (حي حيدرة)، هذا الحي الذي كان طوال العُشرية السوداء عبارة عن مدينة أمنية مُحصّنة، بحكم تواجد أغلبية السفارات به ولأن العديد من المسؤولين في الدولة يقطنون «فيلاته» التي تعود إلى الفترة الكولونيالية.
سيدي يحيى عبارة عن شارع طويل ومتعرّج، ويعدّ الجانب السفلي من حي حيدرة، بدأ يزدهر مع بداية الألفية حيث فتحت فيه فروع لماركات لباس وأثاث وإلكترونيات، ومطاعم ومقاه فخمة. تقول نجمة، وهي صحفية فرانكو- جزائرية تقيم في العاصمة منذ فترة، بأنّ «وسط البلد» قد نُقل إلى مكان آخر، الناس يقولون أن لا حياة في ليل العاصمة لأن العاصمة بقيت في ذهنهم مرتبطة في مُحيط معين لا يتجاوز قُطره حوالي عشرة شوارع كبيرة معروفة، تمتد من ساحة أول مايو إلى ساحة الشهداء. تقول إن حياة اللّيل في الجزائر العاصمة صارت في مكان آخر، في بعض الأحياء التي تُصنّف على أنّها راقية، مثل سيدي يحيى الذي رغم ضيق الطرقات فيه وعدم توفّر مواقف للسيارات، إلاّ أنّه يستقطب النّاس من فئات كثيرة، ثم أنّ المقاهي الشبابية الجديدة التي تفتح فيه والتي تقوم بتوفير مساحات لعرض أعمال فنيّة أو مسارح صغيرة لفرق موسيقى بديلة. هنالك أيضاً حي باب الزوار، الحي الشهير ذو الكثافة السكانية المرتفعة، والذي تُقام فيه منذ سنوات مدينة للأعمال ويُحيط به أكثر من مول. تذكر نجمة نقاطاً عديدة في الضواحي خلقت مراكزها الخاصة، وجذبت الناس من وسط البلد حتى.
أمّا كوثر، مهندسة ثلاثينية، فترى أن ليل الجزائر العاصمة ينحسرُ في المطاعم المفتوحة حتى ساعة متأخرة، بعض النوادي الليلية والتي إما تكون مشبوهة أو غالية وتخص طبقة إجتماعية معيّنة وبعض النشاطات الترفيهية هنا وهناك، أيضاً تلك الخيمات الكبيرة التي تُنصب في الفنادق في سهرات شهر رمضان. وتبقى كل هذه الأماكن، بإستثناء النوادي، لا تُقدّم مشروبات كحولية، وتضيف «غالباً لا يمكنك أن تلتقي بأشخاص قد يثيرون إهتمامك، حياة الليل تُشبه العاصمة في حد ذاتها: مدينة مظاهر».
النشاطات التي تقصدها كوثر، هي في الغالب عروض أفلام أو حفلات موسيقية أو مهرجانات صغيرة في السينما والموسيقى، تتناوب على تنظيمها وزارة الثقافة والمركز الثقافي الفرنسي في قاعات العاصمة، والتي يحضرها جمهور معيّن من الشباب والصحافيين غالباً. زكي ينتمي بشكل ما إلى هذا الجمهور سواء في عمله الحالي في الإذاعة أو لكونه موسيقياً. يحكي عن حياته الليلية قبل الزواج «كانت دائما هنالك سهرة موسيقية في مكان، بيت صديق، أو حفلة صغيرة أو حتى في الإقامات الجامعية أيام كنّا طلبة. أنا كنت لا أعيش سوى في الليل، لكن طبعاً هي حياة داخلية، حتى البارات القليلة حيث كان يذهب الأصدقاء كانت (ولا تزال) توصد أبوابها من الداخل وليست مفتوحة كأي محل».
توقف برنامج سامية مولاي منذ سنوات، وتغيّر وجه العاصمة وتعدّدت أماكن الفُسح في ليلها، خاصة مع إنشاء «الكورنيش» على طول المدخل الشرقي للمدينة. ثم هنالك أجيال جديدة مولودة في نهاية التسعينيات وبداية الألفية، عرفت منذ الصغر السهرات العائلية خارج البيت وإلى ساعة متأخرة، وتستمر اليوم مع عودة قاعات سينما عديدة إلى العمل في الخروج ليلاً لحضور أفلام أو حفلات… أهم شيء اليوم ليستعيد الشباب في الجزائر «ليلهم»، وبعد أن تتوفر الخيارات والأماكن للسهر أولاً، هو أن تتغيّر عقلية النّاس تُجاه الليل، أن نتوقف عن كوننا شعب موظفين، نخرج جميعاً صباحاً ونعود كلنا إلى البيوت قبل أن تُظلم، وتبقى القِلّة ساهرة في أحيائها أو في أماكن مُغلقة.

سهر الشباب في الجزائر: مساحات الليل الضيقة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية