الصوت المزعج هو المكان، والشمس الحارقة، اللاغية للبصر، هي المكان. كانت لذتي هي وجودي، في مجتزء رديء من المكانية الرمادية المقلقة، المتصلة بفجوات السواد، في دمشق. لكنْ، ما من وجود للزمن السوري، قبل الثورة، كما لا يوجد محدد له، لتوقفه أو بدايته، كنا نعيش في الزمن صفر. كان الزمن، إن اتضح، فمثل عصير الرمان، مجهد ومتعب لصانعه، ولشاربه، يتمظهر بطيئاً الارتواء البصري منه، في الكمية، على أقل تقدير، وبعد وقوف طويل.
كلُّ الموجودات، في ذاك المكان، كانت تافهة وعادية، موجودات الربط الإنساني، بين الفرد وعائلته. تهربت من أي تذكر لوجود العائلة. وما زلت حتى الآن، لا أؤمن بالعائلة، أكثر من إيماني بالصداقة في المجتمع. حتى الأطفال وإنجابهم إن لم يكن مقترناً، بصداقة بشرية، فأنا ضده، كما أن أي وصاية مني على أحد، أو من أحد عليّ، هي شيء مرفوض، فكيف يمكن أن أكون أماً، إن لم أستطع أن أكون صديقة. إن قَتَل الابن الأم، فالصداقة بينهما تبقي العلاقة.
كدت أباشر تحقيق هواماتي اليقظة، ولا أعلم إن كانت كلمة هوام معقولةً، في وصف الرغبة الباطنية الشديدة التي أتتني، في أن أقرع باب بيت ريفي، لا أعلم عنه شيئاً، وأقف أمامه كالبلهاء. بدأت أتلصص على الحديقة، وعلى الأشياء فيها، وأتأمل البيت الفرنسي الكلاسيكي؛ هلوستي تركزت في أن أدق الباب، وأن أدخل، بعد محادثة قصيرة مع أصحابه، وكان التخييل يأخذني في وجهة بعيدة، أكثر، يا ليتني أسكن عند هذه العائلة الغريبة، مدة أسبوع، أستطيع بعدها أن أنجح في إقناعهم، أن يتركوني بينهم كصديقة، لكل الوقت. كي أتخلص معهم من الحنين، وأقتله. كنت أتطلع بهدف براغماتي، أيضاً، إلى عائلتي الضحية، التي أفكر في اقتحام حياتها، أولاً أن أكون، هناك، في نموذج مجتمعي يلخص المجتمع الفرنسي، الذي هو المجتمع البديل عن قرينه السوري، لدي الآن، ثم ثانياً أن أمكث بينهم وأتعلم اللغة الفرنسية، هذه أفضل طريقة، لأصلح جوهر نفسي المتلاشي، أن أرمم روحي المتشققة، وأن ألئم الشرخ المحدث من الاقتلاع في ذهني. إلا أن العاطفة الفائضة من تلك الرغبة، هي حاجة النسيان، نسيان اسمي أو من أين أتيت، نسيان تفاصيل حياتي الأخيرة، كلها. بهذه القسوة، كانت رغبتي تضم كآبتي وهويتي المحطمة، حتى الشجر تحطم في سوريا، حتى الجدران والمنازل والأرغفة. أما الأمل، فوحده تفتت كما يتفتت سن متهالك، في فم مريض.
وفي عودتي الكثيفة إلى هذه الرغبة، أفكر في غرابتها وأحلل انعدام تعقلها، الرغبة التي راودتني، أكثر من ثلاث مرات، أمام مجموعة من البيوت الريفية المعزولة؛ فكرت أنني لم أقع على رغبتي هذه، في باريس العاصمة، حيث كنت أتخيل نفسي، في فسحة جميلة من الحدائق، والشوارع، أثمل حتى الانتهاء من آخر نفس، أتنفسه، على هذه الأرض.
إنها ليست رغبات مخيفة وتدعو إلى الذعر، وهي ليست جنونية، إطلاقاً، ولا تقترن في السعي إلى التشرد، أو إنكار المسؤولية، من قبلي؛ تكمن المشكلة الباعثة لتلك المحصلة الحالمة، في أن كائناً مثلي، عاش فردانية مطلقة منذ لحظة ولادته، وألح على إعادة تركيب المفاهيم، بعيداً عن عائلته اللامبالية، كائناً يرفض العائلة، رفضاً قاطعاً وشديداً، حتى التلمص من مفردات مثل زوجة، أو أم، أو أب، مفردات لا يتبعها إلا العار والمجاملة والتسلط. وأفضل تسمية أفراد العائلة بالأسماء العلم، كما الأصدقاء. لم يلقني الأهل كيفية الجلوس إلى الطاولة، مثلاً، أو بروتوكول مواعيد الطعام، رغم التزامهم أنفسهم، بأوقات محددة لتناول وجبتي الغداء والعشاء، لكنني لا أعلم تحديداً، لم كانوا لا يبالون إن لم أجالسهم، فيما يبدو عليهم الانشغال بمواضيع أخرى أشد أهمية، مواضيع من مثل الصمت القاتل؛ كنت كلما جلست معهم أمثل أنني أتناول طعامي، كنت أرميه من جهة إلى جهة أخرى، في صحني، أنقصه وأزيده، في تذمر كبير، أدركوا أخيراً، أنني أستطيع منذ كنت في العاشرة، من عمري، أن آخذ صحني، وأن آكله أينما شئت، بكامل الدلال والعزلة. ثم أن أصمت شاردة، وألاّ أجيب عن أسئلتهم، أو أطالبهم بالإجابة، عن أسئلة تجلب المصير، أو تحرك الأعاصير. اعتقدت ومازالت أن أسئلتي كانت شائكة ومريعة في بعض الأوقات.
لابد أن علاقتي مع سوريا، هي علاقة مع الأصدقاء في سوريا، ولم تكن يوماً علاقة مع العائلة، لكن الأمر الكارثي الذي حصل، أنني منذ خرجت مطرودة من فردوس نوبة العدم المكانية السورية، وأنا أبحث عن العائلة، في أشخاص غرباء، وينتابني الحنين حتى لجدتي، من طرف أبي، التي أعلنت عدائي لأي تواصل بشري معها، لأسباب تتعلق بوحشية تعاملها مع الآخر.
تذكرني جدتي بمنطقة شارع الثورة، حيث شدت يدي مرة، لأركب معها الحافلة، وأخذتني مرغمة من أجل الترفيه، في ملاهي المزة، مرغمة أخذتني، رغم بكائي واستجدائي، كوني أخاف الألعاب العالية والسريعة. في حين كنت أرى، طفلةً، أن منطقة ركن الدين الوادعة اللطيفة، هي طيف جدتي من جهة أمي، منطقة طرية وحنونة، متصلة بحي الشيخ محيي الدين. منطقة مملوءة بالهدايا والهبات، مع دف جدتي تضرب عليه لوعة ترك فلسطين، وتزيد الصوت بتهليلات قديمة. كنت أرى المناطق أشخاصاً، ولذات معهم ومنهم، وفرحاً بهم.
إن السهو عن الحب، هو الحب في حد ذاته؛ وحب المكان كما الغناء في ضجيج، من يسمع أيها القلب التعس غناءك لمدينتك الأولى؟
بعد عامين، من وجودي في فرنسا، بدأت أتلمس المكان، إذ أن هذا الانفصال عن الأرض الأصلية، هو انفصال يشبه انفصال رضيع أو طفل، لم يتملكه الوعي الكامل لهوية أمه، لكنه يشعر بها، ويشتم رائحتها، وإن حدث افتراق فلابد أن تصيب الطفل، من غياب أمه أعراض ما بعد الصدمة والفقد والتشظي. انفصالي عن سوريا كمكان أمومي، هو انفصال قاس، يشبه الفطام، يلحقه فصام واعٍ، وهو تشوش هائل في الداخل، وتفوق للاوعي على الوعي، هو شيء من لعبة الغميضة، التي تنتهي، بأن تجد أن كل الغائبين من أجل لعبها، كل المختبئين، قد غابوا عدمياً من أمامك، غابوا إلى الموت. الأطفال في سورية يلعبون الغميضة مع الأمهات، غميضة الموت العنيف.
التلمس الذي أشعر به الآن، يشبه تلمس الطفل، لثدي بديل. متجاوزاً مراحل من رفضه، ثم البكاء غضباً من الفقد، وكلما أقحمت الأم الجديدة ثديها، في فم صغيرها، في رغبة بشرية، في الإرضاع، خوفاً من تلاشي الرضيع وموته، انتابته نوبة من العويل. وفي الفعل، في عودة إلى تذكر صفات أنثروبولوجية، عديدة، ذكرتها أمي لي، سابقاً، عن طبائعي الشخصية. حصل مثل هذا الامتناع، عن الحاجة الملحة الغريزية، إذ رفضت، تناول الطعام في غيابها، أثناء ذهابها لتدريس أطفال آخرين، ووجودي لدى مربية، لطيفة جداً. حتى أنني كنت أضرب بقدمي كتفي أبي، بقوة ووحشية، هو الذي اعتاد أن يرفعني لأجلس على كتفيه، حتى صرت إلى عمر لا يخولني ذلك. كان يوصلني إلى منزل مربيتي، مهما اشتد الطقس في سوء أحواله، في الحر والبرد، تحت ضربات الثلج، كان يهدئني، بأن يحكي لي عن هاتف سري زرع في دماغي، وأن بإمكاني، مهاتفته متى شئت، في الغياب.
يشبه الثدي الجديد، نوبة العدم القديمة للمكان. وتشبه الرغبة في العائلة، رغبة الإنسان في حفر الأرض، والوقوف كشجرة، عله ينمو، أو يثبت في مكانه. وما من ثبات بعد قتل سوري متكرر ومتحرك، السكينة فقط للدماء.
الآن بعد هذه القطيعة، عن الحضن الأول، عن الاحتضان والهدهدة، أنا في سكون مرتهن بالوعي، وفي إدراك قطعي إلى أن اللذة الهجينة الممنوحة مكانياً، تزيد في غواية المكان البديل، فيصبح صديقاً. صار المكان صديقاً، وكان المكان الأول هو الأصدقاء.
ولا أنكر البتة، أن أحاسيس غير قومية، عن الهوية السورية، تنتابني مع ذنبها، ومنها افتراض في ما لو أفرغت سورية من السوريين الحقيقيين، فربما لن تعود سوريا التي نريد، مرة أخرى!، فسورية هي القوم السوريون، وهي عدل الكون، وميزان الخطى نحو الخير أو الشر، وهي رغبة البشر الأخيرة في الخلاص. والخلاص هو أنْ يعود المكان إلى قومه السوريين.
٭ شاعرة فلسطينية / سورية ـ فرنسا
رنا زيد