«طلاسم وتراتيل» للمغربي محمد الشغروشني: سيكولوجية الجيل المقهور

حجم الخط
0

«طلاسم وتراتيل» نصان مسرحيان في إصدار جديد للمؤلف المسرحي والناقد الأدبي المغربي محمد الشغروشني عرف النور، قبل أسابيع، عن دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر، بمناسبة الدورة الثانية والعشرين للمعرض الدولي للنشر والكتاب في الدار البيضاء 2016..
النص الأول يحمل عنوان «طلاسم وأرقام»، ديودراما من عشرة إبحارات، بطلاه الشقيقان ريان وراكان، ويستهل الإبحار في برولوج صوت خارجي، ويتوالى الإبحار من «حلم بلا ضفاف» إلى «ناعورة الألغاز»، أما النص الثاني، فتحت عنوان «تراتيل نرجس»، مونودراما من ثلاثة إبحارات، في كل واحد منها موجتان.
ويتميز نص «طلاسم وأرقام» بسلاسة أسلوبه المسرحي بين جمالية السرد القصصي المعبر وشاعرية الحوار المقتضب، والمترع بواقعية الصراع النفسي، ورؤاه الفلسفية المثيرة لزخم من الأفكار والأسئلة التربوية والاجتماعية والتاريخية، وبطبيعة الحال السياسية باعتبار تدرج الصراع وتداخله عموديا وأفقيا.
وبالإضافة إلى كون مسرحية «طلاسم وأرقام» من صنف مسرح الموقف والبوح الذاتي، فهي تبحر بالمتلقي في أزمان وعوالم قد تبدو غريبة، أو هي بالأحرى تعود لأجيال مضت، وسرعان ما نكتشف بأنها غوص في الذاكرة الطفولية لقراءة الحاضر بتناقضاته وآماله، يتبدى ذلك من خلال اسمي ريان وراكان والإرشادات المسرحية والنصوص الحوارية المتداولة بين ريان وراكان من جهة، والمونولوجات أو الحوارات التي تجريها إحدى الشخصيتين مع مؤثثات الفضاء المسرحي، والمتمثلة في المنسج والناعورة وبقايا الصوف المغزول أو المنفوش، ما يوحي بواقعية الأحداث والشخصيات وحملها لهموم زماننا وقضايانا؛ فشخصية ريان التي تحيا سن الخمسين من عمرها، يمكن اتخاذها دلالة أو صورة لجيل تحمل وعانى متاعب الفقر والحرمان وضيق ذات اليد، وكان يمني النفس بالحلم حتى أصبح مدمنا عليه، ولكنه لم يحقق شيئا مما حلم به؛ وشخصية راكان في العشرينيات، تبدو مصرة على عدم اقتناعها باتخاذ أحلام أخيها الأكبر ريان كمركب نجاة من إكراهات الواقع؛ ومن ثم تتأزم العلاقة ويشتد لهيب الصراع، بين الأخ الأصغر راكان الذي يتوق للهروب من القبو المسكن والمشغل، وبين الأكبر ريان الذي لا يجد في الخارج بديلا يرتجى، أو أملا يمكن السعي إليه.
لقد استطاع المؤلف بخيال مسرحي وكلمات وجيزة هادئة لكنها تغلي بصراخ قهر الحال أن يضبط لنا الجيل والزمن الذي يعنيه، جيل بداية زمن مغرب الحرية، جيل تنوعت اهتماماته ونزعاته حول الوطن الحر، بالضبط جيل ما بعد الاستقلال مباشرة، زمن «الحلم والخيال الممكن والمحال»، من خلال لغة تفيض بالشاعرية أمكنه إنتاج فرجة مسرحية بأبعادها الدرامية والنفسية والاجتماعية، وبتوظيف ذكي للعناصر الركحية والحوارات والاستعارات التي تبعد النص عن أي خطاب لحظي مباشر وتعطيه ميزة الحياة في عروض مختلفة ومتجددة.
وأخيرا، يمكن القول إن مسرحية «طلاسم وتراتيل» بحمولتها الفكرية والاجتماعية والفلسفية ومستويات الصراع فيها، تجعل منها نصا متميزا على مستوى القيمة الجمالية والفكرية، ما يبوؤه مكانة متميزة في الريبرتوار المسرحي المغربي.

٭ ناقد من المغرب

«طلاسم وتراتيل» للمغربي محمد الشغروشني: سيكولوجية الجيل المقهور

محمد رياضي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية