ذكريات من بغداد بعد الاحتلال الأمريكي

حجم الخط
5

■ وأنا أتابع أخبار المدنيين المحاصرين في مدينة الفلوجة هذه الأيام، الذين وقعوا بين نارين، نار قوات الحشد الشعبي وتوابعها من التنظيمات الطائفية، ومليشيا «داعش» الذي حول المدنيين في المدينة إلى دروع بشرية لمواجـــهة الهجوم الجاري الآن، عادت إليّ بعض ذكريات الأيام العصيبة التي عشتها في العراق بعد الاحتلال الأمريكي مباشرة، وأود أن أسترجع نزرا يسيرا منها لعلها تساعدنا على فهم الحاضر استنادا إلى ما حدث بالتحديد في الأشهر الأولى من الاحتلال.
في مثل هذه الأيام قبل ثلاث عشرة سنة كنت واحدا من أول فريق أممي يصل إلى بغداد بعد الاحتلال مباشرة. اعتمد مجلس الأمن القرار 1483 (2003) لإنشاء بعثة سياسية في بغداد لإنجاز مهمات ثلاث – تقديم المساعدات الإنسانية، والمساعدة في إعادة الإعمار، والعمل مع سلطات الأمر الواقع لمساعدة الشعب العراقي في استرداد سيادته ووحدته الترابية وإعادة بناء مؤسساته السياسية والتمثيلية.
وقد طلب الأمين العام السابق كوفي عنان، من البرازيلي الطيب سيرجيو فييرا دي ميلو، أن يرأس البعثة. تردد سيرجيو كثيرا، ولكن الأمريكيين أصروا عليه دون سواه لقيادة المهمة الصعبة، لما يتمتع به من سمعة جيدة وحنكة دبلوماسية رفيعة ولم يكن يعلم أن بغداد ستكون آخر عهد له بالدنيا.

مشاهد من بغداد

بغداد مدينة صعبة المراس مليئة بالمتناقضات، قيل إنها هدمت وبنيت 18 مرة. مدن في مدينة. أقوام وجنسيات وأديان وطوائف وفن وأدب وغناء وتاريخ وحضارة. بدأ سيرجيو مهمته بالاتصال بكافة أطياف الشعب العراقي. ترك الباب مفتوحا للعراقيين ليصلوا إلينا- يحدثوننا عن مآسيهم. كم من عراقي بكى وهو يتحدث عن فقد أخ أو اختطاف ابن أو غياب والد. أصبح مقر الأمم المتحدة في ما يسمى «فندق القنال» أشبه بخلية نحل. كان يقول جئت أتعلم من العراق باني الحضارات، من أنا حتى أقول لهم ما يجب عليهم أن يفعلوا. كنا نعقد ورشات عمل للقانونيين والمرأة والشباب والجمعيات الأهلية والصحافيين. وكانت مهمتي أن أعمل مع الصحافيين العراقيين لإنشاء مركز الإعلام العراقي، وعقد دورات ترفع كفاءة الصحافي المهنية.
الجيش الأمريكي منتشر في الشوارع وعلى الجسور. ترك الوزارات والمؤسسات العامة بدون حماية لتنهب وتدمر إلا وزارة البترول والبنك المركزي، حتى المتحف العراقي الشهير الذي يضم بين دفتيه سبعة آلاف سنة من حضارة وادي الرافدين تركه الأمريكيون للنهب والسرقة.
انتشرت الصحف بشكل غير معقول حتى فاق عددها المئة وبسرعة عجيبة. بعضها أنشي بمباركة الاحتلال وبعضها مناوئ للاحتلال، وإغلقت بعض الصحف المنددة بالاحتلال. كنت حريصا على زيارة كافة الصحف والقنوات الفضائية ودعوتها لحضور أنشطتنا في المقر. ذهبت لمعاينة المكان الذي قتل فيه طارق أيوب على سطح فندق فلسطين ثم زرت قناة «أبو ظبي» التي كادت تتفوق على «الجزيرة» في تغطيتها الإخبارية لاحتلال العراق، حيث انهالت الصواريخ على مقرها كذلك، وقد شرح لي الصحافي أنس بن صالح أين سقطت الصواريخ، وكيف نجت المجموعة من موت محقق. لقاؤنا الأسبوعي كان كل يوم ثلاثاء، يصل الصحافيون إلى المقر في حافلة خاصة بتفويض من الأمم المتحدة لنتحدث عن هموم الصحافة العراقية وكيفية النهوض بها. وكان الرجل الطيب والأكبر سنا شهاب التميمي، رئيس نقابة الصحافيين، يبدأ الحديث بكل رقة وموضوعية. ولم أكن أعلم أن يدا مجرمة ستضغط على الزناد لترديه قتيلا لأسباب طائفية عام 2008. استأجرنا بناية في منطقة الوزيرية وأنشأنا المركز ووضعنا حارسين عليه واخترنا ثلاثة موظفين من بين الصحافيين للإشراف عليه، وكنا ننوي افتتاحه في أول سبتمبر لكن تدمير المقر في 19 أغسطس 2003 ألغى كل خططنا في العراق.
الفندق الذي كان يحتضننا لرجل لبناني سماه «جبل لبنان». ممنوع علينا أن نخرج إلا في عمل رسمي وبشكل جماعي، من الفندق إلى مقر الأمم المتحدة وبالعكس. أصبحنا أشبه بأسرة واحدة، وكان بعض الفنانين العراقيين يقيمون معارضهم داخل الفندق. لم يمض على رحيلنا شهور حتى سمعنا أن الفندق تعرض للتفجير بحجة إيواء الأجانب.
أخبار عمليات المقاومة كانت تصلنا يوميا فقد كان الأمريكيون يشاركون الأمم المتحدة الأخبار الأمنية من أجل السلامة. بدأت عمليات المقاومة بمعدل عمليتين في اليوم وبدأت ترتفع مع زيادة التبرم من الوجود الأمريكي الثقيل. كثير من الأمريكيين الذين كنا نشاهدهم لا يعرفون ما يجري في العراق، ولا يعرفون لماذا هم هنا. الخوف كان يملأ عيونهم.. تقارير متواصلة كانت تصل المقر عن عمليات التعذيب في سجن أبو غريب، طلب السيد دي ميلو أن يقوم فريقه بزيارة للسجن. في اليوم المحدد ذهبت مساعدة الممثل الخاص لشؤون حقوق الإنسان مع أحد مساعديها لزيارة السجن، حملتهم الطائرة المروحية وحطت بهم في ساحة أحد السجون. كان نظيفا ومرتبا وفيه مرافق جيدة، وتبين أن هذا السجن ليس سجن «أبو غريب» أصلا!

القيادات العراقية

كان سيرجيو حريصا على لقاء جميع قيادات الشعب العراقي السياسية والمدنية والدينية. وضع جدولا زمنيا للقاء أساتذة الجامعات ورؤساء نقابات العمال والمرأة والمحامين. من بين القيادات التي تركت أثرا في سيرجيو وجميع أعضاء الفريق المرافق المرحوم محمد باقر الحكيم، مؤسس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق.
جلسنا معه نحو ساعتين في بيته في النجف. جمع القيادتين السياسية والدينية وكان متواضعا وفي منتهى الوعي والقدرة على التحليل السليم واستشراف المستقبل. خصص معظم حديثة شاكيا من التصرفات الأمريكية، خاصة اقتحام البيوت في الليل. يقتحم الجنود البيت ويحشرون العائلة في غرفة واحدة ويفتشون البيت قطعة قطعة. وكم من عائلة جاءت لتشكو سرقة مجوهراتها أو مدخراتها التي خبئت في البيوت لانعدام الثقة في البنوك آنذاك. وقال كيف للشعب العراقي أن يصدق وعود الأمريكان بالديمقراطية والرخاء وقد فقد الكهرباء والماء. يوم 29 أغسطس جيء بسيارة تشبه سيارته تماما، وضعت أمام باب مسجد الإمام علي وعندما خرج من باب المسجد بعد صلاة الجمعة تم تفجير السيارة لتقتل السيد الحكيم ومئة شخص معه من المصلين. وسنظل نتعجب كيف لسيارة محملة بالمتفجرات يمكن أن تخترق كل الحواجز الأمنية وتوضع بالضبط أمام مدخل المسجد الكبير.
أحد القادة الدينيين (أتحفظ على الاسم) في لقاء معه في مكتبه بالحلة خصص حديثه شاكيا من اندفاع الإيرانيين إلى العراق بمئات الألوف. لماذا لا تحاول الأمم المتحدة حماية حدود العراق من إيران؟ سألنا.. قلنا له إن حدودا تزيد عن 1400 كلم تحتاج إلى آلاف الجنود المدججين، فكيف لبعثة لا تزيد عن السبعين شخصا أن تقوم بهذه المهمة.
الإيرانيون، بحجة شوقهم للعتبات المقدسة، تدافعوا بالآلاف عبر الحدود المفتوحة. وبالتأكيد دخلت الأجهزة الأمنية الإيرانية ودفعت بآلاف العراقيين الهاربين إلى إيران للعودة إلى العراق للتحكم في مسار البلاد. القادة العراقيون الوطنيون كانوا يشكون مر الشكوى من الأوضاع الجديدة. بعضهم قال، كنا تحت ديكتاتورية رهيبة استبدلت باحتلالين أمريكي وإيراني.
قال أحدهم لقد حاولنا إسقاط الديكتاتورية بالاغتيال وفشلنا، ثم حاولنا بالانقلاب وفشلنا ثم حاولنا بالانتفاضة الشعبية وفشلنا ولذلك أيدنا التدخل الخارجي، ولكن ليس على أساس أن يتم تسليم العراق بخيراته وموارده لإيران. كنا نعتقد أن الأمريكان سيسقطون النظام ويسلمون البلاد لأبنائها وينسحبون. ولكن الأمور الآن تكشفت عن أطماع وخطط أعمق مما تصورنا.
مقتدى الصدر كان في سن الثلاثين. كان بسيطا وصادقا ووطنيا، ولم يكن ليخطئ في تحليله للاحتلال الأمريكي والشر الذي يمثله. كان سيرجيو يستمع أكثر مما يتكلم. يريد أن يتعرف على اتجاهات العراقيين كي يقدم اقتراحا لمجلس الأمن وللأمريكان حول كيفية إشراك الشعب العراقي في الحكم.
بول بريمر الحاكم العسكري المطلق يصدر الفرمانات على طريقة الملوك، ولا يمكن أن تكون قراراته الخطيرة قد جاءت صدفة، خاصة قراره الأول: اجتثاث البعث وقراره الثاني بحل الجيش العراقي، ثم قراره الخطير بإنشاء مجلس الحكم العراقي المركب بمحاصصة طائفية يوليو 2003. دعينا إلى قصر الرحاب ودخلنا المسرح ليتم الإعلان عن إنشاء مجلس الحكم العراقي. وقف يومها أكبر الأعضاء سنا وقال قرارنا الأول هو إعلان يوم 9 أبريل (يوم سقوط بغداد) اليوم الوطني للعراق. قلت لصديقي هذه بداية صراع طائفي نعرف أوله ولا نعرف نهايته.
أثناء عودتنا من الحلة وبعد زيارة مقام النبي «ذو الكفل» توقفنا في بابل، شيء مذهل. كان سيرجو منبهرا بحضارة العراق ويسأل عن كل شيء، تجولنا في آثار بابل بصحبة ضابط أمريكي، كان يشرح بأدق التفاصيل. وأمام المسرح البابلي قال الضابط «لو أحسن صدام حسين قراءة ما كتبه البابليون على هذا الجدار لما كنا هنا». فسأل سيرجيو وماذا كتبوا؟ قال: حكمة بابلية تقول ما معناه «لو دام الحكم لغيرك لما وصل إليك».

النهاية

كان موعدي أن آخذ إجازة قصيرة لمدة أسبوع، حسب نظام العمل في البعثات الأكثر خطورة، قال لي سيرجيو يجب أن يأتي بديل لك كمتحدث رسمي يتقن العربية. وصلت زميلتي رهام الفرا من نيويورك مساء الثامن عشر من أغسطس. وفي الصباح ذهبنا معا إلى المقر. قدمتها للزملاء وشرحت لها كل تفاصيل المهمة. ودعتها واتجهت إلى المطار ثم طرت إلى عمان.
وعندما وصلت الفندق الساعة الخامسة تقريبا أدرت التلفاز على محطة «الجزيرة» وإذا بها في بث مباشر من مقر الأمم المتحدة ببغداد الذي فجره انتحاري. كانت أعداد الضحايا ترتفع من خمسة إلى عشرة واستقرت على 22 و150 جريحا كان من بينهم سيرجيو ورهام وزملاء عرب ومسلمون في غالبيتهم الساحقة.
كانت تلك أول عملية انتحارية في العراق، بعد ثلاث عشرة سنة ما زال سيل من الانتحاريين يقتلون آلاف الأبرياء، وما زال الشرخ الطائفي يتعمق أكثر وأكثر. بعد الانفجار فقط وأنا أحاول التأكد من مصير زملائي علمت أن مساعدتي العراقية إنعام التي أصيبت برجليها مسلمة سنية وأن نهرين مسيحية من الموصل وأن وين كردية من الشمال.
وسلام على العراق وأهل العراق. لقد نجح الأعداء البعيد منهم والقريب بتدمير عراق الخير والتآلف والمحبة.

٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز

ذكريات من بغداد بعد الاحتلال الأمريكي

د.عبد الحميد صيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية