في 8 حزيران 1967، وفي الوقت الذي كان فيه المظليون يطهرون جيوب المقاومة الاخيرة في أزقة البلدة القديمة في القدس، وصل دافيد بن غوريون إلى زقاق حائط المبكى الغربي، حيث كان الرئيس الاول لحكومة اسرائيل، وكان يرافقه رئيس بلدية القدس تيدي كوليك ومدير سلطة الحدائق القومية يعقوب يناي. القائد العجوز وضع رأسه على حائط المبكى وأجهش بالبكاء. وبعد أن هدأ قليلا أمر أحد حراسه بازالة لافتة «البراق»، وهو لقب حائط المبكى لدى المسلمين، وبعد ذلك توجه إلى يعقوب يناي قائلا: «ألا تخجل؟ انظر ـ توجد مراحيض بالقرب من حائط المبكى». يناي دافع عن نفسه قائلا: «لكننا وصلنا أمس فقط إلى هنا». بن غوريون صمم: «مع ذلك لا يمكن تحمل هذا الامر». وتوجه يناي إلى كوليك وأبلغه عن الحديث مع بن غوريون: «يجب تنظيف المنطقة، يجب منح حائط المبكى شكلا»، ووعد كوليك بالاهتمام بذلك: «سأتحدث مع الجيش».
بن غوريون ومئات آلاف الاسرائيليين الذين جاءوا في أعقابه إلى حائط المبكى في عيد نزول التوراة بعد ذلك بأيام معدودة، وقفوا لاول مرة منذ عقدين أمام الموقع التاريخي الهام لشعبهم.
والى أن تم تحرير القدس وعلى مدى 19 سنة (من 1948 ـ 1967) كان حائط المبكى في «الأسر». مع انتهاء حرب الاستقلال سيطر الاردن على شرقي القدس، بما في ذلك الحرم وحائط المبكى. وفي اتفاق وقف اطلاق النار الذي وقع مع الاردن، تعهدت المملكة الهاشمية بالسماح لليهود بزيارة حائط المبكى، لكنها لم تسمح بذلك بشكل فعلي، ولم تتابع تدفق المجاري من الاحياء العربية إلى هناك. وقبل ذلك بسنوات، واثناء الانتداب البريطاني والحكم العثماني، نغص سكان المناطق العربية المسلمين على من جاءوا للصلاة في حائط المبكى. وفي كثير من الاحيان كانوا يأخذون من اليهود «الخاوة» مقابل الصلاة في حائط المبكى. «الوضع الراهن» الذي فرضه البريطانيون في المكان أوجد صعوبات اخرى، فقد مُنع على اليهود وضع المقاعد هناك أو حاجز لفصل النساء عن الرجال وتم تقييد عدد كتب التوراة. وعشية عيد يوم الغفران مُنع استخدام البوق في المكان. وقد سمح «الوضع الراهن» للحيوانات بالمرور من هناك.
تحرير القدس في حرب الايام الستة كان فرصة لمرة واحدة من اجل تغيير الواقع. إذا كان هناك تفسير لمفهوم «العدل التاريخي» فهو هنا الآن على مشارف الحائط الغربي للحرم، حيث تجسد بشكل كامل. اسرائيل توجهت بشكل سريع لاصلاح الاجحاف وكانت مصممة على تحويل زقاق حائط المبكى الضيق إلى موقع للصلاة للجمهور الغفير. وقد تم تجنيد عدد من المقاولين لهذه المهمة. الصحافي عوزي بنزيمان وثق في تلك الايام الاجواء التي سيطرت عليهم. ويوسف تسبان صرخ من أعماق قلبه: «على أسوارك يا قدس». وصلى اصدقاءه «وبكوا مثل الاطفال». أما ايتان بن موشيه، ضابط الهندسة في قيادة المنطقة الوسطى، فقد أمرهم بـ «ابعاد النجس». وقد طلب المقاولون أمرا خطيا. وبن موشيه أصدر هذا الامر فبدأ المقاولون بالعمل. في البداية ضربوا بالمجارف والفؤوس وقاموا بتدمير الحمامات، ولكن بعد بضع ساعات وصلت الجرافات والشاحنات إلى المكان وبدأت في تسوية الارض لتُهدم البيوت الواحد تلو الآخر.
«بضجة كبيرة تصم الآذان صعدت الجرافات فوق المنازل في مقدمة حائط المبكى»، وصف الكاتب يهودا هازراحي ما حدث، «تم محو أزقة… سحاب من الغبار كان في المكان وانكشفت أمامنا ساحة كبيرة وظهر ايضا حائط المبكى من وراء الغبار، حيث أصبح ممكنا رؤيته من بعيد من جميع الاتجاهات مع الساحة الجديدة والكبيرة». لقد تم انجاز هذا العمل في ليلة واحدة. العائلات الـ 108 التي كانت تعيش هناك تم اخلاءها. وعندما أشرقت الشمس تحول الحي الصغير الذي كان يلتصق بحائط المبكى إلى خراب، وبدل ساحة صغيرة للصلاة بطول 28 متر وعرض 3.4 متر، أصبح هناك ساحة واسعة. وبدل استيعاب المئات أصبح ممكنا استيعاب آلاف المصلين.
كان يبدو أن المهمة قد انتهت وأنه بدأ عهد جديد في تاريخ الحائط الغربي، لكن لم يعتقد الجميع أن المهمة قد انتهت. بعد يوبيل من السنوات على توحيد القدس، حدث جدل كبير: هناك من اعتقدوا في حينه أن ازالة الحي السكني هو أمر مفروغ منه وأن هذا يكفي. وهناك من فكروا وخططوا للقيام بـ «عمل المغاربة» على طول أجزاء اخرى من حائط المبكى من اجل الكشف عنها ايضا.
لقد اعتقدنا أننا نعرف كل شيء عن حائط المبكى، الموقع المشهور والمعروف والاكثر تحقيقا في ارض اسرائيل. وعلى الرغم من ذلك يتبين أننا نعرف القليل فقط: المفاجأة هي أن حائط المبكى الظاهر أمام ناظرينا ليس كاملا، حيث أن هناك مئات الامتار لا تظهر، تحت الارض. صحيح أنه مكشوف في انفاق حائط المبكى بطول 488 متر. في المقابل فوق الارض، من شمال ساحة الصلاة المعروفة وعلى طول مئات الامتار، حائط المبكى الغربي غير مكشوف.
هذا النبأ جاء بعد الانتهاء من هدم الحي السكني. وبعد تحول الساحة الصغيرة إلى ساحة كبيرة جدا، حيث بدأت الاسئلة تسأل، بداية همسا، وبعد ذلك بصوت مرتفع ـ الاسئلة الفضولية: ماذا حدث للمقاطع القديمة التي كانت ذات مرة تظهر للعيان؟ لماذا لم تعد تظهر؟ أين اختفى حائط المبكى في المنطقة الشمالية؟ هل ما زال قائما؟ أجزاء منه؟ القليل منه؟.
كان أول من طرح هذه الاسئلة على الوزراء هما الحاخامان الرئيسان في تلك الفترة، الحاخام اسحق نسيم والحاخام يهودا ايسار. ولم يكتف موظفو وزارة الاديان بطرح الاسئلة. فمن وراء الكواليس بدأ المستوى المهني في الوزارة الاهتمام بشكل مفصل بامكانية الكشف عن حائط المبكى الشمالي مع تدمير المزيد من المنازل واخلاء السكان منها.
الموظفون في الوزارة قاموا برسم خط حائط المبكى وأعدوا مذكرة سرية بعنوان «من خلال الصور الجوية وذاكرة العجائز في القدس، يتبين أنه بالامكان مواصلة السير مع الحائط، سواء كان ذلك فوق الارض أو تحتها».
وقد أوصى المهنيون في الوزارة باجراء استطلاع حول هذه الاماكن، وقاموا بارسال رسالة للوزير، د. زيرح فرهافتيك، حول النتائج الايجابية المتوقعة من الكشف عن حائط المبكى شمالا: «حركة اخرى لليهود في جزء آخر من البلدة القديمة ستعزز سلطتنا هناك. توجد أهمية أثرية وتاريخية للكشف عن الحائط، وهي هامة أكثر من كل المكتشفات الاثرية في البلاد. وسينكشف شكل حائط المبكى بكل روعته. الكشف عن حائط المبكى على طول الحرم سيؤكد للعالم حقنا داخل الحرم نفسه، الامر الذي لا يمكن لمسه الآن… لقد تم الكشف عن سور البلدة القديمة بناء على خطة بريطانية لاعتبارات جماله وأثره التاريخي. هذه المبررات تنطبق ايضا على الحرم الذي تم الكشف عن سوره سرقا وجنوبا وبشكل جزئي غربا».
وقد تم اعداد خارطة في الوزارة تم فيها تلوين المنازل في الحي الإسلامي التي يجب هدمها للكشف عن أجزاء حائط المبكى الشمالي. وبعض هذه الخطط وصلت لوزير الدفاع موشيه ديان. وهناك توقفت للمرة الاولى. واقترح رجال الدين والمقربين منهم «قبل النقاش حول امكانية الكشف عن حائط المبكى على طوله، يجب السيطرة على المواقع الغير مأهولة على طول حائط المبكى. وكذلك المواقع الفارغة مثل المبنى الذي يوجد بين بوابة باب السلسلة وبوابة المطهرة أو المحلات القريبة من بوابة القطانين وشمال باب الحديد». الحاخامون، وبالتحديد الحاخامية الرئيسة، الذين كان لهم تأثير على منطقة حائط المبكى في تلك السنوات استخدموا الضغوط، حيث كتب الحاخام الرئيس للوزراء أن «حائط المبكى يستمر من أبعد نقطة في الشمال حتى أبعد نقطة في الجنوب. ولا يجب الاهتمام بحقيقة تقليص الصلوات تحت سلطة اجنبية. لأن حائط المبكى الغربي مخصص لذلك بالذات… ومن واجبنا منع أي تأثير على الصلاة في هذا الخط».
ما مغزى الجدار الاستنادي؟
«حائط المبكى الصغير» كان وما زال المقطع الوحيد للحائط الغربي من شمال ساحة الصلاة المعروفة والتي لم تتم تغطيتها بالابنية الإسلامية وبقيت ظاهرة للعيان، 175 متر شمال ساحة الصلاة المعروفة قرب باب الحديد في داخل منطقة محاطة بالمنازل العربية، حيث توجد حجارة حائط المبكى من فترات متأخرة أكثر حسب التسلسل الزمني المعروف لنا، من المقطع المشهور للحائط الغربي. مساحة الحائط الغربي الصغير ضئيلة حيث يبلغ طولها 16.42 متر. ويتم الذهاب إلى هناك من خلال طريق باب الحديد الذي يتفرع من طريق باب الاسباط. العرب سموا الحائط بحائط المبكى، أي مكان للبكاء.
الجمهور الاسرائيلي الواسع اكتشف حائط المبكى الصغير في شباط 1972، حين استخدمه عمال شركة تطوير حارة اليهود بالخطأ من اجل تدعيم منزل سكني كانت أساساته ضعيفة. وقد قام العمال باجراء ثقوب في الحائط من اجل ترميم البيت المتهالك بواسطة جدران حديدية.
المهندسون في الشركة، مثل الجمهور الاسرائيلي، لم يعرفوا مغزى هذا «الجدار الاستنادي» الذي أجريت فيه الثقوب، ولم يتوقعوا أن هذا هو استمرار لحائط المبكى الكبير. وفقط عندما ظهرت الثقوب في حائط المبكى الصغير اندلعت في البلاد عاصفة كبيرة حيث وصل آلاف اليهود إلى هناك للمرة الاولى. رئيسة الحكومة في حينه غولدا مئير قامت بتعيين لجنة للتحقيق. والكنيست أجرت نقاش طواريء. والكثير من الغضب صب على رئيس البلدية تيدي كوليك لأنه حاول انقاذ البيت المتهالك بدل تدميره كما أوصى المهنيون.
إن حادثة الثقوب في المبكى الصغير بعد حرب الايام الستة بخمس سنوات أدخلت الدماء الجديدة إلى أوردة الخطة القديمة للكشف عن حائط المبكى الشمالي واخلاء وتدمير منازل سكنية اخرى تستند اليه، مثلما حدث في الحي السكني بعد الحرب مباشرة. الحاخام الرئيس اسحق نسيم ووزير الاديان فرهافتيك طلبا علنا بالكشف عن طول حائط المبكى. وفي المقابل كانت معارضة شديدة في سلطة الآثار ووزارة الخارجية لهذا الكشف. فقد حذرتا من أن «هدم المنزل المتهالك بالقرب من حائط المبكى الصغير وهدم منازل اخرى قد يكون بداية لهدم كل المباني من عهد المماليك والمواقع الإسلامية الفاخرة».
تدفق المجاري إلى حائط المبكى
كان مناحيم بيغن على رأس مؤيدي الكشف عن حائط المبكى الشمالي، الذي أصبح رئيسا لحكومة اسرائيل، وكان في حينه رئيس حركة «حيروت». وكجزء من هذا الموقف عارض بيغن اعادة السكان المُخلين من المنزل المتهالك. وبعد شهرين ونصف من قضية الثقوب في حائط المبكى الصغير، وقف بيغن في مواجهة مباشرة مع رئيس بلدية القدس تيدي كوليك. وكانت مواقفهما مختلفة في جوهرها. فقد اعتقد بيغن أن عدم الكشف عن حائط المبكى بشكل كامل هو تفويت كبير للفرصة، وكوليك اعتقد أن الكشف وهدم المنازل الاخرى سيكون خطأ، لا سيما أمام السكان العرب في شرقي القدس. وأن هذا الامر سيضر بمحاولات اسرائيل المتواصلة للحصول على الشرعية الدولية في موضوع توحيد القدس.
النقاشات بين بيغن وكوليك كانت شديدة. بيغن: «بدأنا بالكشف عن حائط المبكى بدون قرار رسمي. وهناك عدد من البيوت تعيق عملنا. لا أوصي بأن تقوم أي وزارة بالاجحاف ضد أي أحد. وما أقوله هو أنه لا يجب ابقاء حائط المبكى مخفيا ولا يمكن الوصول اليه. الاماكن المقدسة لجميع الديانات الاخرى تقف منتصبة في القدس والبلاد، وحائط المبكى الغربي بالتحديد لا يجب أن يكون مغطى. هل يجب علينا الزحف من اجل رؤية حجر آخر؟ أين كُتب ذلك؟ أي اخلاق هذه؟ لقد انتظرنا هذه اللحظة منذ 1800 سنة. ونحن لا نريد الاضرار بمقدسات الآخرين. ولكن عندنا أشياء مقدسة يجب الحفاظ عليها حتى لو تطلب هذا الامر اخلاء عدد من البيوت التي أقيمت بجانب حائط المبكى قبل مئات السنين من اجل اخفاءه. إن شبكة المجاري تتدفق على حجارة حائط المبكى. أي شعب كان سيسمح بذلك؟».
وكوليك بدوره تحدث عن فترات اخرى: «ذُكرت هنا الفترة التي كنا فيها نفعل الاشياء بدون قرارات من الحكومة أو الكنيست. ولكن هذه الفترة انتهت. كانت تلك فترة عيون العالم فيها موجهة لامور اخرى، نحو المعارك في الجولان، حيث كان يمكننا أن نفعل اشياء هنا».
إن من حسم النقاش هو يغئال ألون، حيث أيد اعادة سكان المنازل. «أنا مع الكشف عن حائط المبكى على طوله وعمقه»، قال ألون للجنة الداخلية التابعة للكنيست، «بصفتي رئيسا للجنة الوزراء في شؤون القدس، أعتبر أننا حققنا انجازات كبيرة. لذلك لا حاجة إلى تقديم النصائح الاخلاقية لنا. جميعنا متحدين حول فكرة الكشف عن الحائط الغربي بشرط أن نفعل ذلك بحكمة. واستخدامنا للقوة بدون حاجة هو غير بطولي بل غباء». بعد أقوال ألون تقرر اعادة العرب المُخلين من البيت الذي كان بقرب حائط المبكى الصغير. وقد أشار بيغن إلى أنه «من خلال اعادة السكان وترميم البيت نكون قد منعنا أنفسنا عن الكشف عن حائط المبكى الكبير»، وأضاف «يمكننا دائما اصلاح الامر. ولكن إذا تمت اعادة العائلات فلن نستطيع فعل أي شيء». وقد تم رفض موقف بيغن والموافقة على موقف ألون. وتم ترميم المنازل بجانب حائط المبكى الصغير وتمت اعادة السكان اليها. وهم يعيشون هناك مع احفادهم إلى الآن. تقدير بيغن بأن اعادة السكان سيمنع امكانية الكشف عن حائط المبكى، كان صحيحا. وبيغن نفسه لم يفعل أي شيء بهذا الخصوص حينما كان رئيسا للحكومة.
اسرائيل اليوم 3/6/2016