رسائل العنف

تتراكم الأزمات والكوارث فوق بعضها بصورةٍ شبه يومية، تثير دهشة وعجب أي مراقبٍ أو متابعٍ يملك من الرفاهية المادية والزمانية ما يتيح له التوقف والتأمل والشعور بالدهشة.
أما الأغلبية فلعلها تدور في الدوامة أو «الساقية» وفق المقولة الشعبية الشائعة في استعارةٍ شديدة البلاغة لحال الثور الذي يدور في مكانه معصوب العينين، غاية العبث واللاجدوى في حقيقة الأمر، على الأقل من وجهة نظر الثور، الذي لا يجني شيئاً من ذلك الكد اللانهائي، ومثله تماماً فالغالبية لا تجني شيئاً ولا يبقى لها سوى الشعور بالإحباط والقرف، وربما بعض الغضب، وقد لا يجاهرون به خشية من المخبرين و»البصاصين» المبثوثين في كل مكان، وأيضاً دفعاً لفأل السوء مخافة اللحاق بمصير سوريا والعراق.
وفي غطاءٍ من عزوفٍ عام عن العمل العام يغذيه الخوف مما يبديه النظام من التنمر والاستعداد للعنف الفوري واللامحدود، بالإضافة إلى قناعةٍ كئيبة ترسبت لدى قطاعاتٍ عديدة، بأن فعل الثورة لا يؤدي سوى إلى المزيد من التردي في الأوضاع المتردية المنهارة في الأساس، فإن النظام لا يفوت فرصةً للصدام الشرس العنيف، مع كل من لا زالت تسول له نفسه فتح فمه، ورفع صوته، أو رفع لافتة تعترض أو ترفض، أو تنتقد أياً من سياساته أو قراراته. الأمثلة فوق أن تحصى، ناهيك عن تنوع أطيافها، ويتراوح الانتقام بين التشهير والاتهام بالانتماء للجماعة المحظورة، الذي قد يطال لاعب كرة إلى السجن و»البهدلة». والإهانة، التي تعصف برئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المستشار هشام جنينة؛ وليس الأفراد وحدهم معرضين للإهانة والتجريح والتشهير والملاحقة، وإنما هيئات بأكملها وكيانات تمثيلية كالنقابات، ولعل المثال الأصرخ والأقرب هو اقتحام نقابة الصحافيين، وما يلحق بذلك من احتجاز نقيبهم ووكيل النقابة وسكرتيرها، في سابقةٍ لم تعرفها مصر طيلة عهدها، كما أننا نعد مقصرين، بل شركاء في الجرم، إذا نسينا الآلاف التي لا تحصى من المعتقلين، في ظروفٍ لا تليق بالبهائم. يبدو أننا بذا نشهد تطبيقاً عملياً وبالإجبار لدعوة الرئيس التي اتضح أنها أمر: «ما تسمعوش كلام حد غيري»، في دليلٍ على تدهور النظام المصري وبؤس زمانه، إذ بعد أن عرف هذا البلد أن «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة « لتحرير الأرض والثأر للكرامة، صار الصوت المختنق المتحشرج لا يسمح له بالهمس، في حضرة الذات السنية لصوت رئيسٍ وصل إلى سدة حكم بلدٍ منهك على ظهر دبابةٍ صدئة، ليشكل طليعة ثورةٍ مضادة تنتقم وتنكل بثورةٍ مغدورة.
لقد صار العنف هو قلب المشهد والسمة الرئيسية للمرحلة، هذا بيت القصيد، وهوعنفٌ منفلت، لكن بصورة إرادية، أي أن هناك إرادة سياسية وأمراً من فوق، ضوءٌ أخضر، بالانفلات من كل حدود لـ»تربية الكلاب»، أي كل المعارضين والمتحفظين، فالنظام يرسل رسائل واضحة، إن قامةً مهما علت وقلماً مهما بلغت شهرة صاحبه ونقابةً أو هيئةً مهما بلغت قيمتها المعنوية وأعداد من تمثل، لن يستعصوا على الضرب والإهانة أو الملاحقة والتخوين. لقد سقطت الضمانات والاعتبارات، التي يراها شخصٌ كالسيسي بثقاقته المحدودة وخلفيته العسكرية منحاً من الدولة لا حقوقاً اكتسبتها أجيالٌ من المصريين، عبر نضالات ونشاطات عقود هي عمر الدولة المصرية الحديثة.
بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لم كل هذا العنف؟ أي غرضٍ يخدم؟ وهو سؤالٌ مشروعٌ تماماً، فقد عرف التاريخ القديم والحديث أمثلةً ونماذج عديدة للاستبداد والعنف والقهر السياسي، ومنطقتنا، ما شاء الله، تاريخها حافل بها، بل لعلها لم تعرف غيره، لكن الملاحظ أن العنف في أحيانٍ عديدة، حين مورس بطريقةٍ ممنهجة كان يوظف في مشروعٍ أو تصورٍ ما لمستقبل النظام ووضعه الإقليمي، مهما اتفقنا معه أو اختلفنا.
أما نظام السيسي الذي يمارس عنفاً غير مسبوقٍ في تاريخ مصر الحديث، بدون أي اعتبارٍ للشكليات، فنظامٌ سخيف، إذ بم نصف نظاماً يلم الصبية من على المقاهي؟ كما أنه لا تصور لديه للمستقبل الفعلي البتة، فهو مشدودٌ إلى الماضي في محاولةٍ لترميم دولة مبارك الرثة المرقعة، وكل ما فعله على المستوى الإقليمي هو تقديم فروض الولاء والطاعة والتنسيق الحميم مع إسرائيل، وتقديم التنازلات لدول المانحين، حد التنازل عن جزر استراتيجية خيضت من أجل تحريرها حروب.
حديث المؤامرات الخارجية ضروري لاستمرار النظام بصورةٍ حيوية، فهي تحيط به في كل مكان على حسب سرديته المنسوجة من العصاب والبارانويا، إلا أن أي تفحصٍ لتطور علاقاته الخارجية مع القوى التي تعني شيئاً في الموازين، كفيلٌ بدحض هذه الأقصوصة الأسذج والأسخف، فلا شك في أن علاقته بفرنسا وروسيا متميزة، وأمريكا أيضاً التي ما فتئت ترفده بالأسلحة، في يقيني الشخصي أن العديد من المشاريع المشتركة وصفقات السلاح ليست سوى رشى لختم أوراق اعتماد النظام والقبول به، وهو الحاصل من الناحية الفعلية.
الأيام والأعوام المقبلة ستشهد المزيد من العنف، فإجراءات النظام الاقتصادية وتحركاته المنحازة لرأس المال، من القسوة بمكان يستدعي أقصى العنف لكبح أي محاولة للتمرد أو التعبير عن السخط، ناهيك عن الرغبة المسعورة في الانتقام التي تحفز دوائر النفوذ والمال، التي لم تنس ما تعرضت له من إهانة وما شعرت به من خوفٍ حقيقي في يناير، الذي أيقظها على احتماليات السقوط والخسارة والملاحقة والمحاسبة، محطماً الشعور الكاذب الخادع بالاطمئنان الذي ولده خريف مبارك الطويل.
النظام بتنامي عنفه يرسل رسائل عديدة، رسائل انتقامٍ ورغبةٍ في الثأر، وتلذذ بالتعذيب، وترويع، وتصميم على البقاء بغض النظر عن الثمن المدفوع أعماراً وكراماتٍ، بأن النظام لن يتحمل أحداً كائناً من كان، كما أنه بكل ضربةٍ يكسر محرماً آخر رافعاً سقف العنف، جاعلاً إياه مبتذلاً، يومياً وعادياً لا يتوقف عنده أحد.
لقد وعدنا الرئيس السيسي بأننا سنرى العجب، وللأمانة فقد صدق الرجل وفاق كل توقعاتنا. ما يدعو للجزع والإشفاق على الناس هو يقيني بأن الكابوس مازال يتشكل، فالأزمات الوجودية ستزيد، وسيزيد العنف مواكباً لها. هذا النظام لن يذهب في صمتٍ أو بكرامة، فنحن نشهد تشنجات مسخٍ يحتضر، وكلما طالت فترة احتضاره سيزداد عنفه وغرائبه، وفي النهاية لن يتبقى الكثير من شبه الدولة المصرية.

٭ كاتب مصري

رسائل العنف

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية