يصدق في حملة الاستفتاء المقرر عقده في الثالث والعشرين من هذا الشهر حول بقاء بريطانيا عضوا في الاتحاد الأوروبي أو الانفصال عنه التعبير الانكليزي القائل «كثرة الحرارة وقلة النور»، وهو ما يعادل في الثقافة الشعبية العربية أقوالا وأمثالا عن «كثرة الحركة وقلة البركة». ذلك أنه لا يمكن القول، رغم مضي أسابيع على بدء الحملة، إن الجمهور البريطاني هو الآن أكثر اطلاعا على الحقائق المتعلقة بالاتحاد الأوروبي ومنافع العضوية فيه أو مساوئها أو أنه قادر على تحديد القضية المركزية التي بها تتقوّم العضوية إيجابا أو سلبا، أي القضية الفصل في مسألة التصويت بالبقاء أو الخروج.
ولهذا فقد عبّر الصحافي البريطاني القدير جون سنو عن موقف كثير من المتابعين، وربما كثير من المواطنين البريطانيين أيضا، عندما كتب أن حملة الاستفتاء حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي هي «أعكر الحملات مزاجا (في تاريخ البلاد المعاصر) وأكثرها تجنيا وأدعاها إلى إثارة السأم». وقال جون سنو، الذي يواظب منذ عام 1989 على تقديم نشرة أنباء القناة الرابعة في التلفزيون البريطاني ـ التي يعدّها بعض المتابعين أفضل نشرات الأنباء في بريطانيا لتنوع مادتها ولسعيها الدائب في الإتيان بالجديد إضافة إلى جودة تقاريرها وتحقيقاتها حول الشؤون العالمية، إن «طريقة تناول وسائل الإعلام لحملة الاستفتاء لا تصلح لتسيير دكان صغير، ناهيك عن تسيير حملة مليئة بالمعلومات وباعثة على الاهتمام بشأن عملية اقتراع تتوقف عليها مصائرنا جميعا».
وعقد جون سنو مقارنة بين حملة الاستفتاء السيئة هذه وبين حملة الاستفتاء الذي عقد عام 2014 حول انفصال اسكتلندا عن المملكة المتحدة. فقد كانت الحملة في اسكتلندا قبل عامين «متماسكة وقابلة للفهم». أما الحملة الحالية فإن فيها كثيرا من التحامل والتلاعب والتجني على الحقائق، ولهذا انتقد جون سنو «الشتم والتنابز بالألقاب ولجوء الساسة من كلا الفريقين إلى الاستنجاد بالزعماء الأموات (زعما بأنهم يؤيدون هذا الموقف أو ذاك) الذين لا قدرة لهم على تفنيد المزاعم التي تطلق باسمهم». وقال سنو إن المداولات بين أفراد الجمهور، مثل تلك التي تبثها قناة التلفزيون الرابعة (والتي تبثها القناة الثانية في البي بي سي أيضا في برنامج نيوزنايت) وفرت فرصة لتصحيح الوضع، ولكن نظرا إلى أنه لم يبق إلا ثلاثة أسابيع قبل التصويت، فإن «سلبية الحملة، والمشاحنات، والعبارات النابية، وخصوصا التلاعب التام بالحقائق من كلا الجانبين قد قضت على معظم محاولاتنا (الصحافية) لجعل عملية الاقتراع مفيدة وباعثة على الاهتمام».
والأكيد أن أهم ما ذكره سنو إنما يتعلق بمسألة انعدام الفهم. إذ إن الحملة الحالية ليست «قابلة للفهم». ذلك أن كثرة ما يقال ويردد في وسائل الإعلام وقدرة الساسة على طرح القضايا طرحا جزئيا ومنحازا وتعوّدهم استخدام الأرقام والإحصائيات بشكل يظهر الصحة والصواب ولكنه يضمر الخطأ والباطل، كل ذلك يؤدي بالمواطن إلى الحيرة والبلبلة، بحيث تختلط عليه الأمور وتتساوى عنده النقائض.
تبدأ مسألة انعدام الفهم بطريقة طرح السؤال. ولهذا ينتقد سنو تعقيد السؤال المطروح على المقترعين ـ وهو ما إذا كان يتعين على بريطانيا أن تبقى في الاتحاد الأوروبي أم أن تخرج منه ـ بدل أن يكون التصويت، بكل بساطة، بنعم أو لا، على ما هو معهود في أسئلة الاستفتاءات. ولكن انعدام الفهم يعود أساسا إلى أن قضية الاستفتاء برمتها ما كانت لتطرح لولا أمران متشابكان: الأول حزبي، ويتعلق بهوس ساسة الجناح اليميني في حزب المحافظين منذ عقدين على الأقل بمسألة السيادة الوطنية التي يرون أنها ستبقى منتقصة طالما ظلت بلادهم عضوا في اتحاد ينحو نحو الاندماج الفدرالي. أما الأمر الثاني، فهو اجتماعي. ويتعلق بتزايد التململ في كثير من الأوساط الشعبية من تزايد أعداد المهاجرين. ولكن الحقيقة التي أعجب لعدم تطرق أي سياسي بريطاني إليها أثناء هذه الحملة هي أن المسؤول الأول عن تدفق المهاجرين من عشر دول أوروبية شرقية حال انضمامها للاتحاد عام 2004 على بريطانيا ليست المفوضية الأوروبية وإنما هي حكومة توني بلير.
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي