«سعاد ثابت» والمجالس العرفية وعودة الفتن الطائفية

كنت قد قطعت شوطا في الكتابة عن الآراء والرؤى التي وصلتني؛ تعقيبا وإضافة ونقضا لفكرة «الوطن العربي الكبير» أو «الشرق العربي الجديد»؛ ومحاولة أصحابها إيجاد بديل لـ«الشرق الصهيوني الكبير» أو الجديد؛ المعروف بـ«الشرق الأوسط الكبير».. وجاء الاعتداء الطائفي الهمجي على السيدة سعاد ثابت؛ الجدة السبعينية من العمر؛ في قرية «الكرم»، مركز أبو قرقاص، محافظة المنيا.. فنحيت ما بدأت جانبا، مع اعتذار عن عدم مواصلة تناوله في ذلك العدد.. وعُرفت المنيا بـ«عروس الصعيد»؛ لجمالها، ونظافتها، ورقي سكانها وسلوكهم الحضاري..
وصفت الأم والجدة ما جرى لها.. حسب ما نشرت صحيفة «اليوم السابع»: «كنت أقول يا أرض انشقي وابلعيني»… وقد تملكها الرعب وهي ترى زحف نحو 300 شخص؛ يهاجمون منزلها ويحرقونه ويعتدون على زوجها، ويمسكون بها ويجردونها من كل ملابسها على مسمع ومرأى الجميع. ووصول الهمجية حد تجريد أم وجدة من ملابسها فقل على مصر السلام!!.
وكانت صدمة أكبر من طاقة الناس على الاستيعاب؛ بعد ترك الأوضاع لتستفحل إلى هذه الدرجة المشينة؟ وإذا كنا نشكو غياب الدولة المعتاد.. فهل غابت النخوة؟ وماذا عن المروءة والرجولة؟.. وبقيت الخرائب والأطلال والدماء تشهد على الانكسار والذِّلة التي يصنعها إنسان لأخيه الإنسان ويقترف جريمة اغتيال الشخصية، وهي أكثر تدميرا وأخطر من الاغتيال العضوي. وتعرية أم وجدة فاضلة وتجريسها عرى مصر كلها، وكشف ما فيها من خلل وانفصام نفسي واجتماعي وسياسي؛ يصنعه أناس وضعوا أنفسهم فوق القانون، ويدوسون باقي الناس بنعال قانون القدرة والنفوذ والبلطجة والجبروت، وهذا سر الاستئساد على الغالبية العظمى من الشعب، وهم الضعفاء والفقراء والمرضى والعاطلون وقليلو الحيلة.. وتحولت ضرباتهم إلى مطارق تدق رأس الشعب بلا رحمة.. وكأن لدولتهم «تأر بايت».. نراه في القهر وانتهاك الأعراض والتجريس ونار الأسعار والحبس المفتوح، وصارت الأحراش والغابات أكثر أمنا ورحمة من دولة لم يستَقل فيها وزير أو مسؤول احتجاجا على الفشل في وقف الفتن الطائفية أو اعتراضا على المذبحة الجارية لمجلس نقابة الصحافيين المنتخب والمتهم بتسييس النقابة.. وهو شيء غريب في نقابة لم يسجل عليها ذلك لأكثر من سبعين عاما، أي منذ نشأتها.. والإصرار على المذبحة اقتضى انضمام النيابة ودوائر «القضاة الشرفاء» إلى تحالف «المواطنين الشرفاء وأباطرة المال وجنرالاته» في حملتهم لـ»شيطنة: الشعب كله، وليس الصحافيون وحدهم، ويبدو أن هذا التحالف لا يشعر أن الشعب المصري يليق بـ«شرفه»؛ وعليه أن يبحث عن شعب آخر معقم من الثورة والعدل والاستنارة والشرف الحقيقي وليس الشرف الحكومي!!
استنكرت رئاسة الجمهورية الجريمة.. وقال بيانها أن القانون سيأخذ مجراه.. وهل ذلك ممكن في وجود «بيزنس» المجالس العرفية وفتاوى «بيت العائلة المصرية»؛ المولود من رحم مشيخة الأزهر لكسر هيبة القانون والخروج عليه؛ هذا في الوقت الذي التزمت فيه الكنيسة بالقانون، وطالبت بإخضاع الجميع له دون تفرقة..
بدا ما حدث بعد ثورتين عظميين؛ من وضع «خريطة طريق»، وصياغة دستور والاستفتاء عليه، وانتخابات رئاسية ونيابية؛ بدا وكأنه خاص بشعب آخر، ولنيل رضاء واشنطن وتل أبيب والاتحاد الأوربي. وانعدمت قيمة كل ذلك أمام استمرار الجرائم الطائفية الدورية والموسمية منذ «فتنة الخانكة» 1972 وإلى موقعة «الكرم» 2016.. ومن يوم إعلان «الرئيس المؤمن» أنور السادات عن تمسكه بـ«أخلاق القرية».. وكل فتنة تلد أختها، وأي كارثة تخرج من أحشاء ما قبلها. وأضحى يوم زحف الجحافل الهمجية على إمرأة لا حول لها ولا قوة؛ أضحى يوما للعار.. وإذا كان ذلك ضريبة العيش في «شبه دولة»؛ حسب الاعتراف الرئاسي الرسمي، فهي ضريبة تُناسب الضعف المخجل لأشباه الرجال، من المسؤولين!!.
وتوضيحا للقارئ العربي غير المصري؛ يعتمد أبناء الريف في الصعيد والدلتا والسواحل، وفي الواحات والمحافظات الصحراوية؛ يعتمدون على مجالس عرفية لتذليل ما يواجههم من مشاكل وأزمات بطرق ودية وسلمية؛ ولا يتجاوز المجلس العرفي حدود البلدة أو القرية أو العزبة أو النجع.. وتتعدد مسمياته لكنها تدور حول مسميين هما: «مجلس عرب» أو «حق عرب»، وما هو أكبر من ذلك يوكل لأجهزة ومؤسسات الحكم. ويُعقد المجلس بحضور مشايخ البلد (مساعدي العمد)، ومأذون القرية، وناظر المدرسة، وخطيب المسجد، ورئيس مجلس القرية، وكان العمد ومشايخ البلد يشغلون مواقعهم بالانتخاب؛ حتى ألغاها حبيب العادلي في وقت ألغيت فيه انتخابات عمداء الكليات ورؤساء الجامعات(!!).. ومن التقاليد أن يتحمل مرتكب الخطأ تكلفة انعقاد المجلس؛ يضاف إليها الغرامات والتعويضات النقدية والعينية المقررة. وتعقد المجالس للصلح وللتخفيف من حوادث الثأر.. وتسوية مشاكل الميراث.. وتعيين الحيازات الزراعية، وتسوية ما ينشأ عنها من خلاف.
وبدأ الوضع يتغير مع ظهور جماعات «الإسلام السياسي» في 1972.. ورفضها القانون المدني، وتوفيرها ملاذات آمنة للخارجين عليه.. وساعدتها الدولة بالتمويل والسلاح الأبيض، ووسعت نطاق المجالس العرفية؛ لتضم كبار رجال الأزهر والكنيسة ومديري الأمن ومأموري مراكز وأقسام الشرطة، ورؤساء المدن والمحافظين!!. وبهذا زادت انتهاكات القانون واعتماد الشرطة على البلطجية وأرباب السوابق والساقطات ووضعتهم في الخطوط الأمامية للأعمال القذرة، تحسبا لأي حساب أو مساءلة قانونية لرجال الأمن.. وعرفت مصر «البلطجة المنظمة» مع ظهور حركة «كفاية» في 2004 والتصدي لها، وبتراخي الدولة قويت شوكة المجالس العرفية وبدأت في التحول إلى «محاكم شرعية»..
وتشاء الظروف أثناء زخم ثورة يناير 2011 أن ألتقى شاب من النشطاء.. وتوطدت علاقاتي به، وألقى بمفاجأة حدثت قبيل الثورة.. وطبقا لروايته؛ كان عضوا في «جماعة إسلامية» مسلحة.. وحين اختلف أحد زملائه مع «أمير» الجماعة، حوكم أمام «محكمة شرعية»، قضت بإعدامه، وتشكل فريق التنفيذ من ثلاثة كان هذا الشاب واحدا منهم، ووجد نفسه في موقف صعب؛ إذا شارك في التنفيذ أو اعتذر فالنتيجة واحدة؛ كيف يشارك وهو لم يتصور يوما أنه سيتحول لقاتل.. وإذا اعتذر فهذا خروج على الجماعة.. وعقوبته الإعدام.. وفكر في الهرب.. لكن إلى أين؟.. وهذه الجماعات متعاونة مع غيرها، وتخترق المؤسسات الدينية والسياسية والاقتصادية والمالية وتملك شبكة من الشركات الكبرى في كل المجالات وأهمها مجال السياحة، ولن يفلت.. وتذكرت ما فعله سلفي مقيم بلندن.. وإقامته حد الجلد على بريطاني مسلم (أفرو كاريبي).. واعتقد أنه ما زال على عهده ويغطي دوره باتباع مبدأ «التقية»!!.
والحبكة الدرامية لهذه القصة الحقيقية يجسدها الشاب نفسه، فقد درس وتربى في الأزهر. وحصل على الإجازة العالية (ليسانس) في أصول الدين من جامعته.. والتحق بالدراسات العليا، ونال الماجستير والدكتوراه منها!!.. وحكى عن تركيز هذه الجماعات على الأطفال وصغار السن؛ بين سن التاسعة والعاشرة.. واستغلال رغبة أولياء الأمور في تحفيظ أولادهم القرآن الكريم.. ووقع في قبضة هذه “الجماعة” صغيرا، وتعهدته مبكرا. ووجدها تصف غيرها بالكفر.. وبدأ لا شعوريا لا يطمئن لأحد ويكره الجميع ويتجنبهم، واستقرت نفسه على أنه المسلم الوحيد هو وجماعته، التي يحيطها «الكفر» من كل جانب!!. وكلما تدحرجت كرة الثلج كبرت.. وكبر معها الشاب.. وسيطر عليه هاجس التخلص من «الكفار».. ووجد نفسه ترسا في آلة الموت «المقدس»، الجاهزة لتخليص العالم من شرور «الكفرة»!!.
طلبت منه تسجيل تجربته في كتاب فلم يمانع.. ووعدته بنشره إذا ما انتهى منه، وكشف عالم يكتنفه الغموض. ويبطن أكثر مما يعلن.. وتنبيه الأسر كي لا تساهم في تحويل صغارها لقنابل موقوته ونار تغذي الكراهية والعنف والدمار والموت.. وما حدث للسيدة سعاد ثابت ليس خارج ذلك السياق.. والحافز الذي حرك الجحافل لتجريس هذه السيدة هو نفس حافز إصدار حكم الإعدام على شاب خرج عن طاعة «أمير الانتقام».. وإذا كانوا على هذا المستوى من العداء مع أبناء ملتهم.. فماذا يفعلون بأتباع الملل الأخرى؟!!

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

«سعاد ثابت» والمجالس العرفية وعودة الفتن الطائفية

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية