تلقى الفلسطينيون قليلاً من الأمل أمس مع دعوة الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند المجتمع الدولي للتركيز مجدداً على النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
جاء ذلك خلال مؤتمر في باريس بدأ أمس لإحياء «حلّ الدولتين» حضره وزراء وممثلون لقرابة ثلاثين دولة ومنظمة دولية بينهم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون.
تعبّر الخطوة الفرنسية في أخذ زمام المبادرة «لتعبئة المجتمع الدولي دعما لتسوية نهائية للنزاع» عن القلق الأوروبي من التغييرات الكبيرة التي تشهدها المنطقة والمتمثلة في الكارثة العراقية ـ السورية المفتوحة المصاريع، والتي لا تفعل تصرّفات إسرائيل في فلسطين غير تأجيج نيرانها عبر محاولتها دفع الفلسطينيين نحو اليأس الأقصى، وخرط من بقي معتدلاً منهم في مطحنة التشدّد والتطرّف والمواجهة الانتحارية مع العالم التي يمثّلها تنظيم «الدولة الإسلامية».
يأتي مؤتمر باريس قبل أيّام من الذكرى 49 لحرب حزيران/يونيو 1967، وهي مناسبة تجعلنا نتذكر ثلاث حلقات شديدة الخطورة في المسألة الفلسطينية:
الأولى هي نكسة حزيران التي هزمت فيها ثلاثة جيوش عربيّة وأدخلت النخب السياسية في كل العالم العربي في مأزق سياسيّ حاسم بحيث شهد العالم العربي بعدها انقلابات عسكرية في العراق وسوريا وليبيا (ومحاولات أخرى فاشلة في المغرب والأردن) كما تغيّرت الطبيعة السياسية للحكم المصري مع وفاة جمال عبد الناصر واستلام أنور السادات الحكم.
المفصل الثاني، حصل مباشرة بعد النكسة ووضع الفلسطينيين على طريق المقاومة المسلحة التي كانت معركة الكرامة (بعد قرابة 8 أشهر فقط من الهزيمة) علامتها الأكثر جلاء مع اضطرار الإسرائيليين للانسحاب من القرية تاركين وراءهم خسائرهم وقتلاهم، وجعل المقاومة الفلسطينية مركز جذب للشباب العربيّ من كل مكان ونمطاً سياسيّا حاولت تنظيمات سياسية من عُمان والبحرين حتى المغرب العربي تقليده.
الحلقة الثالثة أعلنت نهاية المواجهة العربية مع إسرائيل عبر اتفاقيات كامب ديفيد المصرية مع إسرائيل عام 1978 ونهاية خطّ المواجهة الفلسطينية المسلحة مع اتفاقية أوسلو التي وقعت في 13 أيلول/سبتمبر 1993 والتزمت منظمة التحرير الفلسطينية فيها بحق إسرائيل في العيش في سلام وأمن والوصول إلى حل لكل القضايا الأساسية المتعلقة بالأوضاع الدائمة من خلال المفاوضات.
… وهو ما قادنا بعد ما يقرب من ربع القرن إلى الاستعصاء الراهن، رغم محاولات الإحياء المستمرة عبر مفاوضات كامب ديفيد 2 عام 2000، وطابا 2001، و«خطة خارطة الطريق» عام 2002، واتفاق الإطار أنابوليس (2007)، وكذلك محاولات الإدارة الأمريكية الحالية منذ تموز /يوليو 2013، والتي ليست كلّها سوى محاولات للالتفاف على قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي التي تتعامل مع الاحتلال حسب المعايير الدولية.
في الوقت بين إعلان المبادرة الفرنسية ومؤتمر باريس الحالي أعلنت مصر أيضاً عن رغبتها بالتوسط لتسوية «سلام دافئ» مع إسرائيل، كما تعالت الأصوات العربية مجدداً، عبر تصريح لوزير الخارجية السعودي عادل الجبير، عن استعداد للتفاوض مع إسرائيل على أسس المبادرة العربية المعروفة التي أعلنت عام 2002 لكن سؤالاً مهمّا يعود للتردد: ما الذي يضمن لأي من هذه المبادرات النجاح بعد فشل كل المبادرات السابقة، وما الذي يجعل من كل خطط التسوية السابقة والحالية تذهب هباء منثوراً؟
والحقيقة الصريحة هي أن «المجتمع الدولي»، وبالأحرى، الولايات المتحدة الأمريكية لا ترغب في الضغط على إسرائيل، والظرف العربيّ الراهن، على خطورته الكبيرة على أوروبا، لا يفعل في الواقع غير أن يضيف أسباباً أخرى لإسرائيل، ولراعيتها أمريكا، لتجاهل أسباب الأزمة ومحاولة فرض الأجندة الإسرائيلية على الفلسطينيين.
ومن هنا نفهم هذا الملل الذي بدا على جون كيري حين دخل مؤتمر باريس وقال هذه الكلمات التي لا معنى لها: «ينبغي أن نعلم إلى أين سيذهب (المؤتمر) وماذا سيحدث. بدأنا توّاً. دعونا ندخل في المحادثات»!
انتظار التسوية من دون تغيّر في الوضعين العالمي والعربي يشبه ما يحصل في مسرحية صموئيل بيكيت الشهيرة حيث ينتظر رجلان شخصاً يدعى غودو ليغيّر حياتهما نحو الأفضل وتنتهي المسرحية من دون أن يأتي.
رأي القدس