الدوحة ـ«القدس العربي»: في هجمة معاكسة لما تتعرض له بعض الدول من انتقادات بسبب سجلها السلبي في مجال حقوق الإنسان، أو تعرضها لملاحظات من منظمات دولية حول نقائص في مجال تشريعاتها المحلية، قام مجلس الوزراء الصيني بإصدار تقرير بعنوان «سجل حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية والتسلسل الزمني لانتهاكات حقوق الإنسان 2015» وقامت بعض الدول بمباركته والإشادة به في محاولة لرد الصاع لواشنطن اثر تقريرها السنوي الذي انتقد حكومات عربية عدة. وترافق ذلك مع احتجاج رسمي مغربي تبعه استدعاء الرباط للسفير الأمريكي لديها للتعبير عن رفضها لما ورده فيه من تفاصيل تتعلق بحقوق الإنسان لديها.
الحرب المتبادلة حول تلك التقارير أشعلت جدالا يتوسع مداه ليشمل العديد من الدول التي ترفض مضامينها وتنتقد معديها وتصفهم بالتحيز لطرف ما وتكال للمنظمات العديدة من التهم بسبب البيانات التي تستعرض سجل حقوق الإنسان حول العالم.
الهجوم الصيني المضاد حاول أن يلقي الكرة في المرمى الأمريكي، وسجل ما وصفه الإنتهاك التعسفي لحقوق المواطنين، وتفاقم التمييز العنصري، وحقوق المرأة والطفل، والانتهاكات الفظة لحقوق الإنسان في الدول الأخرى.
وأفاد تقرير المكتب الإعلامي لمجلس وزراء الصين أن «الولايات المتحدة الأمريكية تجنبت في تقريرها المذكور كالعادة التطرق إلى المشاكل الخطيرة الخاصة بها في مجال حقوق الإنسان، كما أنها لم تظهر ولو قليلا من النية والعزم على تحسين سجلها الخاص في هذا المجال».
وذكر التقرير الصيني أن «الولايات المتحدة لم تشهد أي تحسن يُذكر في معالجة المشكلات المتعلقة بسجلها في مجال حقوق الإنسان في عام 2015، بل على العكس، إذ طفت العديد من المشاكل الجديدة على السطح، ونظرا لأن الحكومة الأمريكية ترفض النظر إلى نفسها في المرآة، فكان لا بد من أن يتم ذلك من خلال مساعدة الآخرين».
واستعرضت الصين بعض الحقائق عما وصفته سجل حقوق الإنسان في أمريكا من بينها «الاستخدام المفرط للعنف من قبل الشرطة، حيث كشفت أنه حتى 24 كانون الاول/ديسمبر 2015، قتلت الشرطة الأمريكية 965 شخصا في العام ذاته، إلا أنه لم يتم فرض عقوبات مستحقة في قضايا إساءة استخدام الشرطة للسلطةً، مثل احتجاجات (العدالة لفريدي) في مدينة بالتيمور، حيث خرج المتظاهرون في مدينة شيكاغو إلى الشارع للمطالبة بالعدالة في وفاة ماكدونالد، كما حاصر المحتجون في مدينة منيابوليس مركزا للشرطة بعد مقتل غامر كلارك برصاص الشرطة».
وأضاف التقرير أن «نظام السجون الأمريكي غرق بالكثير من حالات الفساد، وفي هذا السياق يجدر ذكر حادثة تسبب فيها حراس سجن في ولاية فلوريدا بوفاة دارين ليني، وهي سجينة مصابة بمرض عقلي، أرغمها حراس السجن على البقاء تحت المياه الساخنة في الحمام ما تسبب في وفاتها، إضافة إلى قيام سجن لويل (أكبر سجن للنساء في الولايات المتحدة) بإرغام مئات السجينات على مقايضة الجنس مقابل الحصول على الضروريات الأساسية وضمان عدم التعرض لإساءة المعاملة، فضلا عن تسجيل مقتل 57 سجينة في هذا السجن على مدى العقد الماضي».
كما تطرق التقرير الصيني إلى «الصراع العنصري الشديد في الولايات المتحدة» حيث أشار إلى أن 61 في المئة من الأمريكيين يعتبرون العنصرية في تصاعد، كما تأثر إنفاذ القانون والعدالة بالتمييز العنصري بشكل شديد، ويعتقد 88 في المئة من الأمريكيين السود أنهم يتعرضون لتعامل غير عادل من قبل الشرطة، في حين يقر 68 في المئة منهم بوجود التمييز العنصري في نظام العدالة الجنائية.
تصعيد مغربي
ضد الولايات المتحدة
من جانبها صعدت المملكة المغربية من حدة خطابها تجاه الولايات المتحدة على خلفية التقرير السنوي لخارجيتها الذي استعرض حالة حقوق الإنسان في عدد من الدول.
واستدعت الرباط السفير الأمريكي لديها للإحتجاج على التقرير مؤكدة أنها «احتجت على وصف الخارجية الأمريكية لأسباب اعتقال ثلاثة نشطاء وقالت إن التقرير «يسجل تلاعبا ويتضمن أخطاء فاضحة». ورفضت الرباط ما جاء في تقرير الخارجية الأمريكية الذي أعلن انتهاك السلطات المغربية الحريات المدنية بالتعدي على حرية الرأي والصحافة بما في ذلك مضايقة واعتقال الصحافيين في وسائل الإعلام المكتوبة والمنشورة على الإنترنت بسبب تعليقاتهم على قضايا حساسة.
وأعرب مسؤولون مغاربة عن انزعاجهم من تقارير تبخس الإنجازات التي حققها المغرب خلال السنوات الماضية في ميدان الحريات الصحافية وحرية الرأي.
وبعد منظمة «العفو الدولية» و»منظمة هيومان رايتس» ومنظمة «مراسلون بلا حدود» وضعت منظمة «فريدوم هاوس» المغرب ضمن خانات الدول التي لا تتوفر فيها حرية الصحافة والإعلام على الإطلاق، وحصل المغرب على معدل 66 على سلم للمعدلات ينطلق من الصفر كأحسن معدل وصولا إلى مئة كأسوأ المعدلات فيما تقدمت عليها كل من تونس والجزائر.
ولم يتحسن ترتيب المغرب في تقرير «فريدوم هاوس» لحرية الصحافة للعام الحالي مقارنة مع تقرير السنة الماضية، إذ حصل على التصنيف المتراجع نفسه، بالمعدل نفسه.
واعتبر مصطفى الخلفي، وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، أن تقارير «فريدوم هاوس» بمختلف فئاتها «غير منصفة وغير دقيقة» وقال إن تقارير بعض المنظمات الحقوقية عن المغرب، ما زالت تعتمد ترويج معطيات مغلوطة وتعتمد التضخيم من أحداث معزولة وجانبية.
توافق عربي على رفض التقارير الدولية حول حقوق الإنسان
من المحيط إلى الخليج تزداد حدة الاتهامات من عدة حكومات عربية في مواجهة التقارير التي تصدرها بشكل دوري المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.
وانتقد نشطاء يمنيون مؤخرا ما ورد في تقرير حول المعتقلين في البلاد وزعموا أنه مغالط بالتأكيد على أن عدد المعتقلين في سجون الحوثيين منذ أواخر العام 2014 حتى آذار/مارس من العام الجاري، وصلوا إلى 60 معتقلاً فقط، ووصفوا الأمر بالمثير للريبة، ويحمل كثير من علامات الاستفهام.
وبحسبهم فإن مسلحي جماعة الحوثيين والقوات التابعة للرئيس السابق علي عبدالله صالح، إبان انقلابهم على السلطات الشرعية في كانون الثاني/يناير من العام الماضي، شنوا حملة اعتقالات واسعة لمعارضيهم في العاصمة صنعاء، وخصوصاً من قيادات حزب الإصلاح. وقدم الوفد الحكومي المشارك في مفاوضات الكويت للمبعوث الأممي لدى اليمن اسماعيل ولد الشيخ، كشفاً يضم أكثر من 8 آلاف معتقل في سجون الانقلابيين.
ووصف نشطاء حقوقيون بعض المنظمات الدولية، بالازدواجية في العمل ومغالطة الرأي العام الدولي من حيث الإنتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في اليمن.
وأشاروا إلى أن تلك المنظمات تستند إلى منظمات محلية وباحثين لديهم تحيزات مسبقة ومواقف عن بعض الأطراف، مما يجعل تلك التقارير النهائية تفتقر إلى الحيادية والمصداقية، وتنافي مبادئ حقوق الإنسان.
من جانبها اعتبرت جمعية الإمارات لحقوق الإنسان أن التقارير المشبوهة الصادرة عن جهات وصفتها بالجهات المأجورة والمنظمات الدولية، لا تتمتع بالمصداقية. وقالت أن ما قامت به من جهود لتعزيز الترابط بين الشعب والقيادة، فوت الفرصة عليهم في زعزعة الأمن والاستقرار ورفاهية الحياة الذي تشهده الدولة، في ظل قيادتها الرشيدة، خاصة وأنها تخدم أجندات خارجية، وتبنى على دراسات غير منهجية.
وقال محمد سالم الكعبي رئيس مجلس وإدارة الجمعية في تصريح صحافي، إنه وبعد مرور 10 سنوات على تأسيس الجمعية، فإن مستوى حقوق الإنسان بالدولة، يحتل الصدارة عربياً، فيما وصلت الإمارات إلى مصاف الدول المتقدمة عالمياً بهذا الشأن.
وأوضح أن الجمعية تتجنب «ردة الفعل» أمام ما وصفها بالأصوات النشاز، «خاصة مع وجود أبواق تنعق دائماً بغير الحقيقة، بهدف الإساءة إلى دولة تجمع على أرضها أكثر من 200 جنسية متعددة الأعراق والأديان في تعايش سلمي عنوانه المساواة بين الجميع من دون أي تفرقة».
وأشار إلى أن الجمعية بالرغم من تحقيق أهدافها على الصعيد المحلي، إلا أنها لا تزال غير راضية عن ذلك، في ظل طموحها لتحقيق المزيد.
ضبابية المعطيات حول سوريا
وفي سوريا جعلت التطورات الحاصلة في ظل الصراع القائم حرب التقارير والبيانات المضادة تستعر في مشاهد متناقضة.
ورفضت القوات المعارضة لنظام بشار الأسد تقارير عدة أصدرتها منظمات دولية ووصفتها بالتحيز الصارخ لمن وصفته المجرم الحقيقي.
وقالت منظمة «العفو الدولية» إن «الجماعات المسلحة في المناطق المحيطة بحي الشيخ مقصود حلب، قد شنت هجمات عشوائية متكررة أصابت منازل المدنيين، والشوارع، والأسواق، والمساجد، وقتلت، وجرحت مدنيين، ما يعكس استهتاراً معيباً بحياة البشر».
وحسب تقرير المنظمة فانها «جمعت أدلة قوية على انتهاكات خطيرة من شهود عيان، وحصلت على أسماء ما لا يقل عن 83 مدنياً، بمن فيهم 30 طفلاً، قتلوا بسبب الهجمات في الشيخ مقصود، ما بين شباط/فبراير، ونيسان/ابريل 2016».
وأضاف التقرير أنه «أصيب ما يربو على 700 مدني كذلك بجروح، طبقاً للمستشفى الميداني المحلي، وتظهر أدلة مسجلة على شريط فيديو اطلعت عليها منظمة «العفو الدولية» قصفاً بقذائف المدفعية وبالصواريخ، وهجمات بقذائف الهاون، قام بها ائتلاف لجماعات مسلحة في المنطقة يدعى «فتح حلب»، واستهدفت قوات «وحدات حماية الشعب الكردي» (وحداث حماية الشعب)، التي تسيطر على المنطقة».
وقالت القائمة بأعمال نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ماغدالينا مغربي، إن «دك الشيخ مقصود بلا هوادة قد دمر حياة المدنيين في المنطقة، وشن طيف عريض من الجماعات المسلحة المنضوية تحت راية ائتلاف «فتح حلب» ما بدا هجمات عشوائية متكررة في المنطقة ربما ترقى إلى مرتبة جرائم حرب».
وعلى نقيض هذه التقارير نشرت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» تقريراً جديداً وثقت فيه الانتهاكات التي جرت بحق المدنيين في حلب بين 20 نيسان/ابريل الماضي و29 من الشهر ذاته.
وقال مدير الشبكة في التقرير «إن مسؤولية تحديد أماكن وتوزع المواقع العسكرية حصراً لجبهة النصرة وتنظيم داعش تقع بشكل رئيسي على الدول الراعية لاتفاق وقف الأعمال العدائية، وأشرنا إلى ذلك في الأيام الأولى من صدور بيان الاتفاق، وذلك كي لا يتم تبرير قصف أي هدف مدني».
سليمان حاج إبراهيم