بيروت ـ «القدس العربي»: حال البيئة الحاضنة لـ «حزب الله» هي «كالجمر تحت الرماد» حسب توصيف محلل لصيق بالحزب. والسبب هو بدء تطبيق المصارف اللبنانية لقانون العقوبات الأمريكية الصادر عن الكونغرس نهاية 2015 والهادف إلى تجفيف مصادر تمويل الحزب. فما أن صدر تعميم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في الثالث من أيار/مايو حول ضرورة التزام المصارف والمؤسسات المالية بالقانون الأمريكي، حتى بدأت باتخاذ إجراءات لإقفال حسابات نواب ووزراء ورجال أعمال ومتمولين محسوبين على الحزب أو مقربّين منه.
الذعر دبّ في المصارف بُعيد صدور المراسيم التطبيقية للقانون الأمريكي في نيسان/إبريل الماضي. فالضربة التي تلقاها البنك اللبناني – الكندي سنة 2011 بتهمة تسهيل حركة أموال غير مشروعة من الولايات المتحدة إلى غرب أفريقيا ومن ثم إلى قنوات تبييض أموال يسيطر عليها حزب الله، وآلت التسوية إلى تغريمه 102 مليون دولار وخروجه من لائحة المصارف عبر اندماجه مع مصرف «سوسيتيه جنرال» لا تزال تقض مضاجع البنوك اللبنانية.
ليست المسألة هنا تتعلق باللائحة السوداء التي أصدرتها وزارة الخزانة الأمريكية والتي تضمنت نحو 96 اسماً من أفراد ومؤسسات ومنظمات وباللوائح الأخرى التي ستصدر. فهذه مسألة مفروغ منها، ولا يمكن للبنان إلا السير بالقانون الأمريكي لضمان الاستقرار المصرفي وعدم تعرضه لعزلة دولية، وهو أمر لم يجد «حزب الله» مفراً من الانصياع إليه، وذهب إلى الطلب ممن شملتهم اللائحة العمل على إقفال حساباتهم.
ولكن ما لم يكن في الحسبان هو إقدام المصارف، بعدما أوكل إليها تعميم مصرف لبنان مسؤولية التدقيق في الحسابات، على التوسع في إحتياطاتها لتطال شريحة واسعة من اللبنانيين منهم أبناء مسؤولين في الحزب واحتمال شمولها موظفين في مؤسسات الحزب الاجتماعية والصحية والرياضية والتربوية، في إجراءات وقائية معتمدة سياسة آمنة بـ «صفر مخاطر» على طريقة المَثل الشعبي القائل: «الباب اللي بيجيك منو ريح… سدّو واستريح»، الأمر الذي اعتبره الحزب «حرب إلغاء محلية»، رافعاً من سقف تهديده ووعيده، إلى حد وصل ببعض منظري الحزب إلى التلويح بـ « 7 أيار مالي» ضد البنك المركزي والمصارف، في استعارة لاجتياح عسكري لـ «حزب الله» لبيروت في السابع من أيار/مايو عام 2008 رداً على قرار الحكومة اللبنانية وقف تمديد الحزب لشبكة خطوط سلكية خاصة به.
وإذا كان منسوب التوتر الذي أظهره الحزب انخفض راهناً بعد إيضاحات مصرف لبنان لدور هيئة التحقيق الخاصة التي أنشاها المصرف، والتي تتمتع بحق الاعتراض (الفيتو) خلال 30 يوماً من إحالة الملفات المشبوهة إليها من البنوك، في رهان على أن هذه الهيئة ستعمل على حصر الحالات المستهدفة، قاطعة الطريق على المصارف من التوسع العشوائي والمغالاة في التطبيق.
على أن التطمينات الراهنة لا تعدو كلاماً نظرياً، ذلك أن حجم التوسّع في الإجراءات سيظهر عملياً في ضوء اتضاح المعايير التي على أساسها سيتم تطبيق القانون. وهي معايير لا تزال غير واضحة المعالم لجهة المدى الذي ستأخذه، إذ أن تحديد طبيعتها وسقفها مرهون بما ستقرره وزارة الخزانة الأمريكية، والتي يضغط «حزب الله»، كما أركان في الحكومة، على مصرف لبنان من أجل مفاوضات تحد من إمكان التمادي في آليات التطبيق، بحيث لا تتجاوز تأثيراتها الحلقة الضيّقة للحزب ومموليه والبيئة الحاضنة للحزب إلى البيئة الشيعية برمتها، ذلك أن هناك من يرى أن إمكانية الفصل بين بيئة الحزب والبيئة الشيعية مسألة ستكون شائكة ويعتريها كثير من الصعوبات، لاسيما أن الحزب يشكّل منذ 25 سنة جزءاً من النسيج الشيعي، وتوسّعت شبكة المصالح بين بيئته الضيّقة والبيئة الشيعية الأوسع نظراً إلى حال الانسجام بين الثنائية الشيعية السياسية المتمثلة بـ «حزب الله» و «حركة أمل»، والتي انعكست تلاحماً بين أبناء الطائفة الذين عملوا على تشكيل رافد قوي لـ «المقاومة»، خصوصاً أؤلئك المتواجدين في دول الاغتراب.
يُدرج «حزب الله» محاصرته المالية كجزء من الصراع الكبير الدائر في المنطقة، والتي يعتبر أنها تجري بين محورين: المحور الإيراني من جهة والمحور العربي المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، لكنه يُدرجها في الوقت عينه في إطار الضغوطات التي تمارسها واشنطن على إيران من أجل «دفعها إلى فتح الملفات الإقليمية في المنطقة توصلاً إلى تسوية في الفترة الفاصلة عن انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وهو الأمر الذي يرفضه المرشد الأعلى علي خامنئي!»، وفق ما يُسرّ به أحد المقرّبين من الحزب.
غير أن ثمة من يقرأ العقوبات الأمريكية على «حزب الله» من منظور استكمال مفاعيل الاتفاق النووي بين الغرب وإيران، لجهة ما يمكن توصيفه بالالتزامات السرية التي آلت إلى احتواء حال الاعتراض الإسرائيلي على الاتفاق. ويذهب مناهضون إلى حد الاعتقاد أن تطبيق العقوبات على «حزب الله» يتساوى في مفاعيله الكارثية مع تداعيات «حرب تموز» 2006، ويهدف إلى تضييق الخناق عليه مالياً وخلق حالة تململ واعتراض ضمن بيئته وصفوفه ومع المكونات الأخرى في المجتمع اللبناني التي لن تماشيه إذا تعرّضت مصالحها والمصالح اللبنانية للخطر. ويتوقع هؤلاء أن يتصاعد هذا المسار للوصول إلى «تقليم أظافر الحزب» و«كسره» بحيث يزول خطره على إسرائيل.
لكن في ظل ما يعتبره «حزب الله» تحديات وجودية، ثمة أسئلة تُطرح في الأروقة السياسية والأمنية اللبنانية حول طبيعة ردّه، إذا استعرت «الحرب المالية» وضغوطاتها عليه وآلت تداعياتها إلى خلخلة بنيته الاجتماعية التي ستجد نفسها محاصرة، وغير قادرة على مجاراة أدنى المتطلبات التي تفرضها النظم الاجتماعية والاقتصادية والمالية في زمن أصبح فيه الحساب المصرفي ليس فقط ضرورة حياتية، بل «إثبات للوجود».
اللافت أن تسريبات بدأ تطفو على السطح عن إمكانات قلب الطاولة داخلياً عبر الضغط الأمني على الساحة اللبنانية التي لا تزال واشنطن حريصة على استقرارها. لكن الخطورة تكمن في بدء التلميح بإمكان عودة «استهداف المصالح الأمريكية»!
تلميح قد يندرج في إطار التهويل، لكنه لا بد من أن يؤخذ في الاعتبار لحزب يحفل سجله بعمليات أمنية مصنفة إرهابية طاولت المصالح الأمريكية في غير مكان، ولا يزال تفجير السفارة الأمريكية في لبنان عام 1983 ماثلاً للعيان ولم يُقفل ملفه بعد.
رلى موفّق