انطلقت عمليات «تحرير» الفلوجة ولن تتوقف حتى لو بدا ذلك بطيئاً في قرار «إرجاء» الفتح الذي اتخذه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وهو يعيد من جديد التأكيد أن هذه العمليات لن تتوقف حتى إستعادة الفلوجة بشكل كامل ونهائي من «داعش» على حد ما جاء في بيان وتغريدة له على تويتر.
لكن ماذا بعد تحرير الفلوجة، خصوصا وأن هناك تسريبات تفيد أنه يمكن للعراق الآن تجاوز أزمة «تنظيم الدولة»، لكن هذا سيخلق خطرا آخر وهو تحول العراق إلى «دولة منقسمة»!.
هذه التسريبات لها صلة وثيقة بقرار العبادي «إرجاء» اقتحام الفلوجة، فرئيس الوزراء العراقي برر ذلك بحجة الحفاظ على نحو 50 ألف مدني يتمترس بهم أو يمنعهم من الخروج، التنظيم الذي تتهم بعض القيادات «العراقية» واشنطن بالسعي لانقاذ قادته الكبار من الوقوع في قبضة القوات العراقية وتحديدا «الحشد الشعبي».
يقول عراقيون نافذون إن هناك مخاوف جدية من محاولات أطراف في العملية السياسية داخل العراق وممن لهم صلة مباشرة أيضا بالأمريكان، إخراج بعض «الشخصيات» الموجودة حاليا في الفلوجة، والتي قررت بعض فصائل الحشد الشعبي وتحديدا بدر وعصائب أهل الحق القبض عليها بتهمة المشاركة في تنفيذ عمليات إرهابية، وأن من شأن ذلك أن يطيح بالعملية السياسية القائمة برمتها على التوافق، أو يربكها أكثر، وهي تتعثر مع استمرار مظاهرات زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وباقي المعترضين على الفساد في بغداد.
وعلى صلة وثيقة بـ»الحشد الإعلامي» الذي أعلن عن تشكيله عراقيون في مواقع التواصل الاجتماعي وهم يطلقون ما سموه «موسم الهجرة إلى تويتر» بـ هاشتاغ «غزو تويتر» وسجلوا حضوراً «مبهرا» جعلهم يسيطرون على تويتر في بضعة أيام، برزت تلك المخاوف بجدية أكبر، حين أعلن حلف إيران وروسيا وسوريا وحزب الله بمشاركة فصائل عراقية، عن قرب الحسم في معركة «حلب»، وتزامن ذلك بالإعلان أيضاً عن تقدم وشيك باتجاه تحرير «الرقة» معقل داعش ـ أو ما يعرف تنظيم الدولة الإسلامية .
وفي موضوع ذي صلة، شن العراقيون في تويتر حملة قوية على وسائل الإعلام العربية التي تسمي داعش «تنظيم الدولة» وتسمي الحشد الشعبي، ميليشيات، واستهدفوا إعلام الخليج بشكل خاص مستثنين سلطنة عمان، والكويت إلى حد ما، ورأوا أن في تغطية الإعلام الخليجي لمعركة الفلوجة إنحيازا لداعش، وتشويهاً متعمداً لمقاتلي الحشد الشعبي، خاصة وأن الحشد يعمل وفق لوائح محددة تحت إمرة رئيس الوزراء، ويحظى بمباركة المرجعية الدينية (للسنة والشيعة) أعلى سلطة روحية في البلاد، ويضم في معركة الفلوجة، عشرة آلاف من الأنبار وحدها (سنية) إتجهوا مع الشرطة الاتحادية المحلية (سنية) نحو استعادة الفلوجة، بمشاركة حشد مسيحي يقوده ريان الكلداني، إلى جانب حشد العشائر (السنية) في المنطقة السنية.
الفلوجة وإيران
وبدا لافتاً أن معركة الفلوجة انطلقت بعد سجال طويل حول مشاركة الحشد الشعبي المتهم بالولاء لإيران، وقد حددت الأولويات بأن لا أحد من الحشد الشعبي سيبقى في الفلوجة بعد إستعادتها بشكل كامل، وسيترك لعشائر منها ومن المناطق السنية المجاورة، إعادة الاستقرار فيها للحفاظ عليها، ومنع التنظيم من العودة لها، مع ملاحظة أن غالبية عناصر ما يسمى «تنظيم الدولة الإسلامية»، هم من المحليين، بعكس ما هو موجود في سوريا، وكما هو الحال في فرع التنظيم في ليبيا الذي يغلب عليه الوجود التونسي!.
هذه المعركة يشارك فيها بشكل واضح خبراء إيرانيون على رأسهم قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني، والمهم فيها أن المملكة العربية السعودية وافقت عليها وباركتها، وأوعزت إلى سفيرها في بغداد ثامر السبهان بلقاء وزير الدفاع خالد العبيدي، الذي أعلن أن «السعودية تبارك انتصارات العراقيين في الفلوجة وترغب في إرسال ملحق عسكري»، وتلى ذلك أن إعلام السعودية عمد إلى استخدام تعبير «تحرير الفلوجة من قبضة داعش» في الحديث عن الفلوجة. جاء ذلك متزامناً مع انطلاق عمليات تحرير الرقة بمشاركة التحالف العربي والأكراد، ما يشير إلى تفاهمات حول السقف السياسي للعمليات العسكرية في الميدان.
لكن ما أزعج السعودية هو التواجد الإيراني في عمليات الفلوجة، وكالعادة انطلقت حرب تصريحات بين طهران والرياض، وإزدادت حدتها بعد إنهيار محادثات الطرفين حول الحج، وتأكيد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أن الوجود الإيراني في العراق أمر غير مقبول، وأن على طهران احترام مبدأ حسن الجوار، مشددا على أنه لا يمكن إقامة علاقات طبيعية مع إيران «وهي تهدف إلى تدميرنا»، وسرعان ما جاء الرد قاسياً على لسان أمين عام مجمع تشخيص مصلحة النظام، القائد الأسبق للحرس الثوري الإيراني الجنرال محسن رضائي، قائلا إن «سلوك الجبير يشبه سلوك البدو الذين قدموا حديثا للمدينة وتركوا إبلهم وسط الرياض»، على حد تعبيره، واصفا إياه بـ»حديث العهد».
وأضاف القائد العام السابق للحرس الثوري الإيراني متهكما، أنه «لا يحق للحكومة العراقية أن تطلب العون من إيران للدفاع عن العراق، لكنه (الجبير) يرى من جهة أخرى أن احتلال اليمن أو دخول السعودية بالدبابات إلى البحرين حق قانوني لها، وعلى صعيد آخر هم يرفضون تقبل توفير الأمن لرعايا الدول الأخرى في مراسم الحج أو يعرقلون إصدار التأشيرات»، بحسب ما نقلت عنه وكالة «فارس» القريبة من الحرس الثوري الإيراني.
أما وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف فقد وصف الانتقادات التي وجهها نظيره السعودي عادل الجبير للسياسة الإيرانية في العراق، بـ «السخيفة والمتغطرسة» وأكد أن الإيرانيين لن يغادروا العراق ما لم تطلب الحكومة العراقية ذلك منهم. وقال خلال زيارة إلى ستوكهولم في إطار جولة أوروبية لجلب الاستثمارات إلى إيران: «سنساعد العراق على محاربة الإرهاب، ما دام العراق يريدنا أن نساعده». وحذر في هذا الإطار «الدول التي تعتبر داعش في الفلوجة حليفا لأسباب سياسية»، من دون أن يسمي تلك الدول.
وأوضح «إنها الحسابات الأسوأ في منطقتنا، وكلما أسرعت العربية السعودية في اعتبار تنظيم الدولة الإسلامية خطرا عليها قبل أي شيء آخر، كلما تمكنا بشكل أسرع من استبعاد هذا الخطر».
وأسوأ ما في حرب التصريحات هذه هو «الصمت المريب» للدبلوماسية العراقية ـ لم يعلق وقتها لا وزير الخارجية إبراهيم الجعفري ولا العبادي، ولم ينبسا ببنت شفة، لا مع ولا ضد وكأن على رأسيهما الطير!.
كما أن هذه التصريحات جاءت بعد فشل محادثات الحج، إذ رفضت طهران التوقيع على إتفاقية تمنع حجاجها من «قراءة دعاء كميل، وتنظيم تظاهرة ثابتة بعنوان البراءة من المشركين، وإصدار نشرة زائر المعنية بتنظيم شؤون قوافل الحج الإيرانية».
وعموماً تهتم إيران بمعركة الفلوجة، كما اهتمت في معركة إستعادة تكريت، وحظيت آنذاك على إشادة من أوباما خلال لقائه العبادي في واشنطن بعد أن دار جدل حول مشاركة إيران، فقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية تأييدها للتدخل الإيراني في الحرب على داعش، وكشف وقتذاك رئيس أركان الجيوش الأمريكية الجنرال مارتن ديمبسي أنّ دور إيران والميليشيات الشيعية في الهجوم الذي تشنه القوات العراقية لاستعادة مدينة تكريت من تنظيم»الدولة الإسلامية» يمكن أن يكون «ايجابيا»، إذا لم يؤد إلى توترات طائفية مع السنة. وهو ما فُسر بأنه قبول أمريكي للدور الإيراني مشروط بخجل.
وفي معركة الفلوجة أيضا أشاد البيت الأبيض، بجهود إيران في محاربة تنظيم «داعش» الإجرامي في العراق، مؤكدا أن إيران مهتمة بنتائج معركة الفلوجة ولا تسعى لـ»حرب طائفية». وقال الناطق باسم البيت الأبيض الأمريكي جوش ارنست في مؤتمر صحافي، إن «إيران مهتمة بالنتائج التي ستتمخض عن استعادة القوات العراقية مدينة الفلوجة ولا تريد تقوية تنظيم داعش»، وأن «من الواضح أن ليس من مصلحة إيران أن تكون هناك حرب طائفية تسال فيها الدماء على حدودها، والجانب الإيراني يفهم أن مثل هذا الأمر سيعزز من قوة تنظيم داعش». وتابع «إن الإيرانيين يدركون المخاطر من هذا الوضع». وأكد المتحدث، أن الولايات المتحدة «لا تخطط ولا تنسق عسكريا مع الجانب الإيراني وأنا شخصيا لا أعلم بأي خطط من هذا النوع».
ويعد هذا الموقف الأول من نوعه للإدارة الأمريكية، الذي يأتي بعد حملة خليجية تقودها السعودية، تتهم إيران بالتدخل على أساس طائفي في العراق، خصوصا بعد تصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الأخيرة بشأن قاسم سليماني.
الرقة
ما يجري في الفلوجة يمهد لمعركة الموصل، وًهو اختبار جديد للتصعيد في سوريا، لكسب أوراق في الميدان لاستخدامها في السياسة والعودة مجددا إلى «جنيف» الراجحة كفتها حتى الآن لصالح دمشق قبل اتفاق الهدنة.
ولأن الموصل تقع في الشمال بعيدا عن العاصمة بغداد، ينظر إليها على أنها أقل خطرا على العاصمة، في حين أن الفلوجة تمثل خطرا على أمن بغداد، فسكان العاصمة يخافون من وجود الإرهابيين في المدينة المحاصرة والتي تبعد 60 كلم عن العاصمة.
لكن رغم أنّ المعركة الحالية تجري بعيداً عن ملعب المجموعات السورية الحليفة للسعودية وتركيا، فإن تداعياتها السياسية ستصل إليهم، إذا انطلقت معركة الموصل التي ستكون سهلة، وفي ضوء الاستعدادات السورية الجارية للحرب في أرياف حلب وإدلب، فدمشق وحلفاؤها يستعدون لاستئناف معركة تطويق المدينة وهم لا ينتظرون، في المرحلة الحالية، سوى المباركة الروسية، إذ تنتظر موسكو إنتهاء معركة الفلوجة لتعطي إشارة الانطلاق.
معركة سياسية
معركة الفلوجة ليست عسكرية بمقاييس العمليات العسكرية لخصوصيتها، إذ المهم فيها هو أن يتحول سكان المدينة، لمحاربة التنظيم، الذي يعاني في العراق من تصدع حلفائه، ومحاولات جدية لأن تتحول الفلوجة إلى عامل توحيد اللحمة الوطنية، ليأخذ هاشتاغ «الفلوجة توحدنا» مداه العملي على الأرض، وسط معلومات تشير إلى أن جناح حزب البعث العراقي الذي يتزعمه عزة الدوري، يسعى لعزل الدوري وتغيير اسم الحزب، كما أنه سيعتذر للكويت، بعد تفجر خلاف داخل الحزب بشأن المشاركة في مؤتمر باريس للمعارضة العراقية الذي عقد الاسبوع الماضي، ورعاه المنشق عن هيئة علماء المسلمين في العراق جمال الضاري.
وتبشر مصادر عراقية بنهاية قيادة الصقور لتنظيم البعث وتشكيل قيادة شابة جديدة تعلن الاعتذار من الماضي للسياسات الفردية والقرارات التي صدرت من صدام حسين، ومن ضمنها اعتذار عبد الصمد الغريري (المرشح لخلافة الدوري) للسفير الكويتي عن الغزو وتقبيل رأسه في مؤتمر الدوحة الأخير.. وذكرت أنه سيتم أيضا الاعتذار عن إساءة العراق وتعليقها كلها بشماعة صدام حسين مع الموافقة على المشاركة في العملية السياسية العراقية وتغيير اسم الحزب إلى «حزب الطليعة العربي الاشتراكي».
ربما يظل ذلك في إطار «تكهنات» إلا أن المؤكد في كل ذلك أن عمليات تحرير الفلوجة مستمرة، وأن شيئاً ما يحدث محليا وإقليمياً ودولياُ يجعل الأنظار تتجه كثيرا نحو الرقة في سوريا، ومنها إلى سرت الليبية، لكن هل ستوحد الفلوجة العراقيين، وماذا بعد الفلوجة؟!..
نجاح محمد علي