تحرير الفلوجة بين الفتنة الطائفية واللحمة الوطنية

بغداد ـ «القدس العربي»: أعادت معركة تحرير الفلوجة، الحديث مجددا عن مثيري الفتنة الطائفية في العراق الذين يستغلون أي مناسبة لنفث سموهم في جسد الوطن المتعب من الطائفية وآثارها التي لم تندمل بعد منذ سنوات، بدلا من كونها مناسبة لتحقيق اللحمة الوطنية.
ورغم محاولات الحكومة وبعض القوى السياسية الحاكمة، التعتيم على نزعات بعض القوى التي وضعت الطائفية والمحاصصة منهاجا لها في كافة نواحي فكرها وفعالياتها، ليس في قضية الفلوجة والأنبار فحسب بل في كافة الشؤون العراقية منذ نشوء تلك القوى، فإن تلك المحاولات تنسفها ممارسات ومواقف وتصريحات وسلوكيات على أرض الواقع، تفرض نفسها وتؤكد حقيقة تشغل اهتمام ومخاوف العراقيين، وهي ان شجرة الغلو الطائفي أصبحت تمد جذورها داخل الأرض وفروعها تنتشر في كل مكان من أرض العراق.
ففي خضم معركة الفلوجة، وبعد صدور تصريحات طائفية من بعض قادة الحشد الشعبي ضد الفلوجة واتهامها بأقبح الأوصاف الطائفية والطعن بأهلها، أقر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بوجود بعض الفصائل غير المنضبطة في الحشد الشعبي، مشيرا إلى أن هناك أكثر من مئة فصيل ينسب نفسه إلى الحشد وهو ليس كذلك، على حد تعبيره، متوعدا بمكافحتها، وهو ما دفع المرجعية الشيعية العليا ان تكرر مرارا تحريم الاعتداءات وانتهاك الحرمات من قبل المقاتلين في معركة الفلوجة.
ومن الغريب ان تسمح الحكومة أو تسكت عن بروز مؤشرات على تنامي النزعة الطائفية في وقت الأزمات والتحديات لتقول انها موجودة هنا وهناك، رغم كل محاولات انكار وجودها، ولتثبت ان لها دورا مرسوما يحركها عند الضرورة دون ان تتمكن الحكومة من منعها أو ايقافها.
ففي ميدان المواجهة مع التنظيم الإرهابي في الفلوجة، تعمدت العديد من فصائل الحشد الشعبي رفع أعلام تابعة لأحزاب وميليشيات وجهات سياسية خلال المشاركة في المعركة، وذلك رغم تأكيد المرجعية الدينية برفع العلم العراقي فقط. بل وصل الأمر ببعض الميليشيات أن رفعت العلم الإيراني وصور خامنئي على عرباتها ومقراتها كما فعل عناصر ميليشيات «حركة النجباء» التي يتزعمها رجل الدين العراقي أكرم الكعبي بعد سيطرتها على ثلاثة أحياء من مدينة الفلوجة. ولعبت وسائل الإعلام الإيرانية وبعض العراقية دورا متعمدا في إبراز مثل هذه المواقف، وعلى إظهار قادة الحرس الثوري الإيراني في غرف العمليات العسكرية.
وهذا يعطي في أحسن الأحوال، انطباعا بأن المعركة لم تكن بقيادة القوات المسلحة العراقية فقط. كما يهدي للمتصيدين في الماء العكر، المبرر لوصف المعركة بأنها ذات صبغة طائفية أو ميليشياوية.
ولاحظ المتابعون، ان المظاهر الطائفية خلال هذه الأيام لم تكن مقتصرة على معركة الفلوجة، بل برزت العديد من المشاكل والإنتهاكات الطائفية في مناطق مجاورة للعاصمة العراقية ومنها قيام ميليشيات باعتداءات طائفية في منطقة الراشدية ومناطق حزام بغداد إضافة إلى ديالى وغيرها.
وقد أثارت هذه المواقف، إضافة إلى معلومات عن قيام بعض الميليشيات بسلوكيات طائفية في الكرمة المجاورة للفلوجة بعد تحريرها، مخاوف قوى دولية ومحلية، جعلها تصدر تحذيرات من خطورة استمرار ذلك النهج الذي يفسد فرحة النصر في الفلوجة. حيث حذر زعيم ائتلاف الوطنية اياد علاوي من ان العراق اليوم أمام عمليات تطهير مذهبي وليس معارك للتخلص من الإرهاب والخوف، وذكر علاوي في حوار مع صحيفة «عكاظ» السعودية انه حذر مرارا من التدخل الإيراني في الفلوجة والموصل لأن هذا التدخل يثير حساسية، بسبب عدم إنضباطية بعض الفرق في الحشد الشعبي التي أقدمت على تهديم المناطق التي حرروها وتهجير أهلها. واعتبر علاوي أن وجود قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني في العراق، كقائد لمعركة تحرير الفلوجة، «خطأ كبير مشترك من قبل العراق وإيران، فإذا كان يريد أن يُقدّم مشورة أو نصيحة لأمكَنَه ذلك بعيداً عن الإعلام، لكن ظهوره يحمل رسالة مفادها إننا هنا مصطفّون مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول التحالف ونريد أن نحرّر العراق من داعش إنما على طريقتنا الخاصة وبأسلوبنا الخاص، ولنا مكاسبنا السياسية».
كما دعا رئيس مجلس النواب سليم الجبوري الحكومة العراقية إلى منع أي جهة من الترويج للتعبئة الطائفية خلال مــعـــركة تحرير الفلوجة من تنظيم «الدولة» الذي يعتبر الغلو الطائفي هو المتنفس الذي يمنحه القوة والقدرة على الاستمرارية.
وشكل الجبوري لجنة مشتركة من الأجهزة الأمنية للتحقيق في انتهاكات منها اختفاء 73 رجلا من النازحين لدى خروجهم من الفلوجة مع عائلاتهم، حيث تم أخذهم من قبل القوات الأمنية والحشد الشعبي إلى جهة مجهولة دون تحديد التهم الموجهة لهم، وأرسلوا عائلاتهم من النــســـاء والأطفال إلى مخيمات النازحين.
ويبدو ان الوقائع في المشهد العراقي في الوقت الذي يخوض فيه أبناء القوات المسلحة العراقية معارك لتطهير الفلوجة ومناطق أخرى من تنظيم «الدولة»، ستفسده مؤشرات تنامي نفوذ القوى المتمسكة بالغلو الطائفي وانتشار مساحة اتباعها والمستفيدين منها والداعمين لنهجها، ما يزيد من قدرتها على فرض نفسها على الأحداث ووضع العصي في عجلة الاستقرار والمصالحة الوطنية، ويجعل امكانية تغيير هذه الأوضاع حاليا أو في المستقبل القريب في غاية الصعوبة رغم كل محاولات الحكومة العراقية وبعض قوى الاعتدال الوطني.

تحرير الفلوجة بين الفتنة الطائفية واللحمة الوطنية

مصطفى العبيدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية