برلين ـ «القدس العربي»: إعتراف البرلمان الألماني (البوندستاغ) بإبادة الأرمن وتصويته بالاجماع تقريبا مع معارضة نائب واحد وامتناع آخر عن التصويت، على القرار الذي حمل عنوان «احياء ذكرى إبادة الأرمن وأقليات مسيحية أخرى قبل 101 عام» أحيا آمال اللاجئين العالقين في انهيار الإتفاق الأوروبي التركي والذي يقف عائقا أمام لجوئهم إلى أوروبا.
ومع اقتراب الموسم السياحي، وفي ظل عدم امتلاك اليونان قدرة كافية على استقبال المزيد منهم، هناك 8500 لاجئ ومهاجر في جزر ساموس وخيوس وليروس وكوس وليسبوس، حيث تخشى الدول الأوروبية من أن تكون هذه الأعداد مقدمة لأعداد متزايدة من اللاجئين.
وينص الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا على إعادة جميع المهاجرين وطالبي اللجوء، بمن فيهم السوريون الذين وصلوا إلى اليونان منذ 20 اذار/مارس. لكن منذ دخوله حيز التطبيق، تمت إعادة 411 شخصا فقط إلى تركيا معظمهم باكستانيون لم يتقدموا بطلبات للحصول على اللجوء. وما يثير مشكلة هو الشق الأكثر إثارة للجدل في الاتفاق وينص على إعادة طالبي اللجوء إلى تركيا.
وبالرغم من رسائل التطمين التي أعلنها رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم ان تركيا وألمانيا «حليفان مهمان» وان العلاقات بين البلدين «لن تتدهور كثيرا» كما أكد في تصريحات «ان هذا قرار هو قرار مستقل للبرلمان الألماني». وتصريحات وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير والذي أعرب عن أمله في عدم صدور ردود فعل «مفرطة» من تركيا اثر اعتراف البرلمان الألماني بتعرض الأرمن للإبادة، في تصويت أثار غضب انقرة، يرى مراقبون أن ما يحدث على الأرض قد يكون مقدمة لصراع أكبر بين أوروبا وتركيا، وذلك لتحديد طموحها في دخول الاتحاد الأوروبي، وتحجيم المكاسب التي تطالب بها جراء إدارة أزمة اللاجئين واقتصارها على المساعدات المادية فقط.
وهو ما يفسر التصريحات التي أطلقها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مؤخرا والتي رفض فيها أمنية تركيا الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي بصورة قاطعة وقال:»ليس هناك أي توقعات أن تكون تركيا عضوا بالاتحاد الأوروبي لعقود مقبلة». إلا أنه أضاف أن على الاتحاد الأوروبي أن يتعاون مع حكومة أنقرة في التعامل مع قضية اللاجئين. ولعل هذا الرفض من كاميرون بخصوص دخول تركيا للاتحاد الأوروبي هو أمر غريب بالنسبة لتوقيته كما يراه المحللون، حيث تأتي هذه التصريحات في ظل استفتاء بريطاني بشأن البقاء في عضوية الاتحاد الأوروبي من عدمه.
صحيفة «نوية راين تسايتونغ» الألمانية حذرت من عودة الفوضى مجددا إلى ألمانيا بشكل خاص بعد قرار البرلمان الألماني. وقالت أن ما يحدث حاليا من تصعيد سياسي قد يكون مقدمة لعودة الفوضى إلى أوروبا وإلى ألمانيا مجددا، وامتدحت الصحيفة ابتعاد ميركل عن موضوع القرار البرلماني، وأوصت بعدم تعريض العلاقة الألمانية التركية للخطر مؤكدة أن ليس في مصلحة ألمانيا عودة الفوضى من جديد.
يأتي ذلك مع نشر موقع «شبيغل أونلاين» تقريرا إخباريا يفيد أن 91 في المئة من الألمان لا يثقون بتركيا. وفي إستطلاع أجرته محطة ARD التلفزيونية، عبر سبعة في المئة فقط من المستطلعين الألمان أنهم يعتبرون تركيا شريكا يمكن الثقة فيه. كما أفاد الموقع الألماني أن 74 في المئة يرون أن الخطوة التي خطاها البرلمان الألماني في الاعتراف بإبادة الأرمن صحيحة، وأن على تركيا أن تتحمل مسؤوليتها عن ذلك.
المراقب للوضع الألماني يرى في الوقت نفسه الضغط الكبير الواقع على المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، حيث كان الاتفاق مع تركيا من ضمن جهودها التي استمرت لأشهر من أجل إيجاد حل لمشكلة اللاجئين الذين تدفقوا على أوروبا بشكل عام، وعلى ألمانيا بشكل خاص.
ومن شأن التصويت ان يعقد العلاقات المتوترة مع انقرة حول تنفيذ اتفاق مثير للجدل بين الاتحاد الأوروبي وتركيا توصلا إلى انخفاض كبير في تدفق المهاجرين إلى أوروبا. وتهدد انقرة، وهي شريك أساسي في هذا الملف، بعدم تنفيذ الاتفاق إذا لم تحصل على إعفاء مواطنيها من تأشيرة شنغن وفقا لشروطها. كما أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ان القرار من شأنه ان «يؤثر بشكل خطير على العلاقات التركية الألمانية». وأضاف «القرار الذي اتخذ في البرلمان الألماني سوف يضر بشكل خطير علاقاتنا».
النائبة في البرلمان الألماني بيتينا كودلا أكدت أمام وسائل الإعلام الألمانية أن اعتراف برلمان بلادها بـ»إبادة» الأرمن خلال أحداث 1915، سيضر بالعلاقات بين أنقرة وبرلين، ويزيد صعوبة تنفيذ الاتفاق التركي الأوروبي حول أزمة اللاجئين.
وأضافت النائبة عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي أن «تقييم الأحداث التاريخية في البلدان خارج ألمانيا ليس من مهمة البرلمان الألماني».
وحمل الاعتراف الألماني بالإبادة توقيع البرلمان فقط، وليس الحكومة، حيث اعتبر الساسة أنه حل وسط لتجنيب حكومة ميركل تبعات هذا الأمر. ونص قرار الإعتراف على الآتي: «في إشارة إلى الفظائع التي ارتكبت بحق الأرمن، نص قرار النواب الألمان على ان مصيرهم يعد مثالا على عمليات الافناء والتطهير العرقي والطرد والإبادات التي اتسم بها القرن العشرين بهذه الطريقة الوحشية». وجاء في القرار أن «الامبراطورية التركية تتحمل مسؤولية جزئية عن هذه الأحداث». وعند بدء النقاش، أكد رئيس البوندستاغ نوربرت لاميرت ان المجلس «ليس محكمة ولا لجنة مؤرخين» مشيرا إلى ان النواب الألمان انما «يتحملون مسؤوليتهم» عبر تأييد هذا القرار. وعبر عن أسفه «لتهديدات تتضمن القتل» استهدفت بعض النواب لا سيما المتحدرين من أصول تركية. وأضاف ان هذه التهديدات «غير مقبولة، ولن نسمح بترهيبنا».
ولم تحضر ميركل النقاشات أو التصويت على النص لكنها أبدت تأييدها له خلال تصويت سابق في الكتلة البرلمانية المحافظة. وأثار غيابها استهجان الإعلام الألماني في حين اعتبره البعض رضوخا لمطالب أردوغان. صحيفة «راين نيكار تسايتونغ» هاجمت غياب ميركل، وقالت أن محاولتها النأي بنفسها عن القرار وبقاءها بعيدا، لم يكن جيدا للعمل السياسي الألماني، وجعل القرار مبهما، ورأت أن هنالك دورا للضغوط التركية على غياب المستشارة الألمانية.
ووفقا للمعهد الوطني الأرمني، فقد اعترف 26 برلمانا بالإبادة الجماعية، لكن عمليات التصويت هذه تتخذ أشكالا عدة وابعادا قانونية متنوعة. ويؤكد الأرمن ان 1،5 مليون أرمني قتلوا بشكل منظم قبيل انهيار السلطنة العثمانية فيما اقر عدد من المؤرخين في أكثر من عشرين دولة بينها فرنسا وايطاليا وروسيا بوقوع إبادة.
علاء جمعة
علاء جمعة