مقال صائب عريقات، أمين سر م.ت.ف، الذي نشر هنا في الصحيفة قبل اسبوعين تحت عنوان «اسرائيل ملزمة بالاعتراف بالنكبة الفلسطينية»، هو بمثابة تجديد: بدل السكاكين والعمليات، يكون نقاش حول الصراع الاسرائيلي الفلسطيني على صفحات الصحيفة. لقد كانت صحيفة «هآرتس» على صواب عندما فتحت صفحاتها للنقاش. فمقال صائب عريقات يستحق الرد عليه.
يجب علي الاعتراف أن موضوع اللاجئين الفلسطينيين يحزنني ويقلقني. فمن يعرف مخيمات اللاجئين وبؤسها، لا يمكنه تجاهل خطورة هذه المشكلة من الناحية السياسية، وأكثر من ذلك، من الناحية الانسانية. وبسبب ذلك قمت بقراءة مقال عريقات، أحد القادة القدامى والمعروفين، عدة مرات باهتمام وتركيز وأمل.
عريقات يقول في خلاصة المقال: «إذا أرادت اسرائيل اجراء المصالحة بيننا وبينهم، فان عليها الاعتراف بما فعلته للشعب الفلسطيني». لقد حاولت التذكر ونجحت في ذلك. في أعقاب قرار الأمم المتحدة في تشرين الثاني 1947 أعلن الزعماء العرب أنهم سيقومون بالقائنا في البحر. وفي القرار الذي صدر قبل ذلك في ايلول 1947 في جلسة اللجنة السياسية للقمة العربية في لبنان، تم الطلب من العرب الاسرائيليين أن يناضلوا بدون هوادة ضد قرار التقسيم في حال تمت الموافقة عليه، مع التعهد بتقديم أي مساعدة لهم، المال والسلاح والمقاتلين. وعدوا ونفذوا. ففي 15 أيار 1948 دخلت قوات الجيوش النظامية لمصر وسوريا والاردن والعراق ولبنان إلى ارض اسرائيل، وبدا أن انتصار العرب مضمونا. رئيس الاركان البريطاني الذي كان مطلعا على تفاصيل الشرق الاوسط قال في حينه: «لن يستطيع اليهود الصمود مع مرور الوقت، وسيتم طردهم إلى خارج ارض اسرائيل».
إلا أن اسرائيل شوشت الخطة، وعليها الاعتراف بما «فعلته للشعب الفلسطيني»، هذه حقيقة، لو لم «تفعل» ما فعلته، لما حدثت النكبة الفلسطينية ولكانت هناك نكبة يهودية، لكن ذلك ليس مهم كثيرا. ففي نهاية المطاف كان عددنا في البلاد 650 ألف شخص.
الكارثة التي حدثت قبل ذلك ببضع سنوات أدت إلى موت ستة ملايين يهودي. ولو لم «نفعل» ما فعلناه بالفلسطينيين لكان عدد اليهود الضحايا 6.650.000 شخص.
ولكن مقال عريقات لا يبدأ بما «فعلناه» بالفلسطينيين في 1948، بل بدأ بعدم شرعية وجود دولة اسرائيل، التي وجدت، حسب زعمه، نتيجة «صفقة سرية وظلامية» هي «وعد بلفور» الذي كان «الوعد الاستعماري البريطاني». يبدو أن عريقات لا يعرف أن قرار «اقامة وطن قومي لليهود» هو نتيجة قرارات دولية. ففي 22 تموز 1922 منحت «عصبة الامم» بريطانيا تخويلا باقامة بيت يهودي في ارض اسرائيل. «وعد بلفور» أعلن أن الحكومة البريطانية وافقت على اقامة بيت يهودي في ارض اسرائيل. إن الاساس الشرعي والرسمي لاقامة دولة اسرائيل جاء من «عصبة الامم» ومن قرار التقسيم للامم المتحدة في 1947.
عريقات بقي عالقا في وعد بلفور، وهو يعتبر أن ملايين الفلسطينيين ما زالوا يدفعون الثمن. هنا نصل إلى المشكلة المؤلمة للاجئين الفلسطينيين. لا أحد قلبه من حجر، أو لا يقلق ولا يتألم بسبب اللاجئين الذين ما زالوا يعيشون في مخيمات اللاجئين في الدول العربية. والذين يمنعون من الاندماج كما اندمج ملايين اللاجئين اليهود الذين جاءوا من اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ومن الدول العربية بعد اقامة الدولة. ولكن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين لم يكن سببها الهجرة اليهودية إلى ارض اسرائيل أو مشروع الاستيطان الصهيوني. بل العكس. فبسبب الهجرة اليهودية والتطور السريع كان تدفق للعرب إلى ارض اسرائيل، حيث حدث نمو وتزايد لدى السكان العرب. هذه حقيقة لا خلاف عليها. اللاجئون الفلسطينيون هم نتيجة للهجوم العربي والحرب التي بادر اليها الزعماء العرب والفلسطينيون، وهم ليسوا نتيجة للهجرة اليهودية وتطوير البلاد.
في جلسة اللجنة السياسية للجامعة العربية في تموز 1947، تم اتخاذ قرار آخر تم فيه الطلب من الدول العربية فتح ابوابها من اجل استقبال الاولاد والنساء والشيوخ وتأييدهم في حالة حدوث مواجهات في فلسطين، واضطر قسم من السكان إلى ترك البلاد. القادة العرب عرفوا جيدا أنه في الحرب لا يوجد فقط دمار وقتلى بل الكثير من اللاجئين ايضا. وقد وجه قرارهم نحو الفلسطينيين لتهدئتهم ووعدهم أن هناك من سيهتم بهم، لكن ذلك كان كالسهم المرتد حيث سرع عملية الهرب التي بدأت بعد ذلك على الفور وقبل مغادرة البريطانيين للبلاد.
في مقال عريقات توجد اوصاف تفطر القلب عن «الاملاك التي تركتها العائلات الفلسطينية من ورائها». (إذهب وقل ذلك لمئات آلاف اللاجئين اليهود من اوروبا والدول العربية، أو للاجئين العرب الآن من سوريا وليبيا). ويقول إنه بقي 4 آلاف عربي فقط في يافا. وباقي السكان غادروا بمرافقة الجنود البريطانيين وخشوا من الحرب، لكن البعض بقي هناك. ولكن في الاماكن التي سيطر عليها العرب اثناء المعارك، مثل غوش عصيون والبلدة القديمة في القدس، لم يبق أي يهودي. بعضهم قتلوا في الحرب والاغلبية قتلوا بعد استسلامهم والبعض تم أخذهم أسرى من قبل الاردن وتمت اعادتهم بعد الحرب.
وقد حدث ايضا طرد لاعتبارات أمنية، ويوجد حتى الآن نقاش حول هذه الاعتبارات ـ لكن اغلبية اللاجئين كانوا من المدن التي تم تحريرها (تم احتلالها) من قبل الهاغاناة، وهناك حدث الهروب الكبير بمرافقة الجيش البريطاني.
حرب الاستقلال التي بادر اليها الزعماء العرب واعلنوا عنها بكل فخر، أوجدت ليس فقط اللاجئين العرب بل لاجئين يهود ايضا. عدد اللاجئين اليهود من الدول العربية كان أكبر من عدد اللاجئين الفلسطينيين العرب. في 24 تشرين الثاني 1947، أي قبل قرار التقسيم ببضعة ايام، حذر محمد حسنين هيكل رئيس الوفد المصري للامم المتحدة من أن «حياة مليون يهودي في الدول الإسلامية ستكون في خطر بسبب اقامة الدولة اليهودية». ولم تنتظر الدول العربية كثيرا. فقد بدأت المظاهرات والتحريض والاعتقالات والتعذيب والطرد من اماكن العمل واعدام بعض اليهود ايضا. وعندما رجعت الجيوش المهزومة إلى دولها، زاد العداء والخوف. وعلى مدى بضع سنوات اضطر اليهود الذين عاشوا 2500 سنة في الدول العربية إلى ترك كل شيء خلفهم، واغلبيتهم جاءوا إلى اسرائيل وعاشوا في ظروف صعبة.
إذا لم يكن فقط لاجئون فلسطينيون بل ايضا يهود الدول العربية كانوا ضحايا للحرب التي بادر اليها العرب. عمليا كان هنا شيء يشبه تبادل السكان.
في مقال عريقات لا توجد كلمة واحدة عما حدث لليهود في الدول العربية، ولا توجد كلمة واحدة عن من فتح الحرب وتسبب بقتل ودمار اللاجئين. لقد وجد عريقات المتهم بدون تردد، اسرائيل، التي تسببت بالحرب والنكبة والتطهير العرقي.
كل ذلك مؤسف جدا ومقلق جدا. ويتبين أنه ما زال هناك قادة فلسطينيون لم يتعلموا أي شيء، تماما مثلما كانت الحال قبل 68 سنة وقبل 100 سنة.
هآرتس 5/6/2016