التراث كمادة معرفية لمواجهة الواقع الجديد

حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي» من محمد عبد الفتاح: إيمانا منهما بالدور المهم الذي يضطلع به المسرح في حياة الأمم والشعوب، وبعد إطلاقهما ـ وبشكل مشترك أيضا ـ كتاباً موسوماً بـ»تجديد رؤية النقد المسرحي العربي في كتابات عبد الرحمن بنزيدان»، يواصل الباحثان نور الدين الخديري ونعيمة الحرشي مشروع بحثهما النقدي والأكاديمي في هذا المجال، وآثرا هذه المرة أن ينصب اهتمامهما حول رائد المسرح الاحتفالي عبد الكريم برشيد، في تجربة نقدية جديدة ومتميزة اختارا لها عنوان: «مسرح عبد الكريم التراثي في مساحات النقد» وقد تناولا مسألة التراث وتجلياته في كتابات برشيد، وكأني بالباحثين هنا يوجهان اهتمامهما إلى مدرسة مغربية لها فرادتها إبداعا ونقدا وتنظيرا، ونعني بها مدرسة المسرح الاحتفالي باعتبارها تياراً حمل مشروعا إبداعيا تأسيسياً يستحق خوض مغامرة البحث لتقريب رموزه إلى المتلقي العربي.
يأتي هذا الكتاب ليسائل التجربة المسرحية لعبد الكريم برشيد، وما قدمه منجزه المسرحي والنقدي في مساره الطويل، خاصة مسألة توظيف التراث في مسرحه، وتجليات هذا الحضور التراثي في متونه المسرحية، وكيف اشتغل عليه برشيد، وانشغل به، وما يشكله هذا التراث كمادة معرفية في تعاطيه للمسرح في أبعاده المختلفة في مقام آخر.
يثير الكتاب مسألة التراث، وقضية توظيفه إبداعياً في النص المسرحي، وهو توظيف يتحدد من خلال علاقة برشيد بهذا التراث، وهل كان توظيفه بغاية التوظيف في حد ذاته، أم جاء لمسايرة الواقع الاجتماعي الراهن، بكل إيجابياته وتناقضاته.
يتحدد موقف عبد الكريم برشيد من التراث في تعامله مع الشكل التراثي من خلال نصوصه كموقف من الوجود، ومن السياسة والأخلاق والحياة والموت، وهو ما تحكيه بكل وضوح مسرحيات من قبيل: «ابن الرومي في مدن الصفيح»، «امرؤ القيس في باريس»، «شطحات جحجوح»، «سالف لونجة»، «عطيل والخيل والبارود»، «عنترة في المرايا المكسرة»، «عرس الأطلس»… وتجلى هذا التوظيف من خلال استدعاء شخصيات لها رمزيتها في المخيال العربي من قبيل: ابن الرومي، امرئ القيس، عُريب الجارية… وهو استدعاء لم يكن القصد منه على نحو ما يؤكد الناقد عبد الرحمن بن زيدان الذي واكب تجربة برشيد إعادة تجسيد الشخصية التراثية بكل تجلياتها في التراث على النحو الذي انتهجته بعض التجارب حينما استدعت شخصيات مثل أبي حيان التوحيدي، أو بديع الزمان الهمداني استدعاءً قارب التصوير الفوتغرافي، وإنما كان استدعاؤها بغاية تجعل من الشكل المسرحي جزءاً من الذاكرة العربية الجماعية التي تروم مجابهة الواقع الجديد لمواطن اليوم.
من هنا نقول إن الشخصية التراثية في مسرح برشيد على النحو الذي لامسه الباحثان تأخذ بعين الاعتبار الماضي والتراث، لا كشيء جامد خارج عن اللحظة الراهنة، ومتموقعة في الماضي، وإنما تتماهى مع الحاضر لتنسج موقفاً من هذا التراث ومدى جدوائية استدعائه في عمل إبداعي، ويخلصان إلى أن هذا الماضي المُستَدعَى يحقق شيئين: الحداثة والمعاصرة: الحداثة التي تعني الثورة على الماضي بكل أشكاله البالية، والمعاصرة التي تنتمي لعصر التجريب والمنطق والتكنولوجيا. وفهم برشيد للتراث من هذا المنطلق يتأسس على اختيار عقلاني يروم خلق واقع يصنع فيه برشيد عالمه المتفرد والفريد، لا يقدم كما هو، ولا يُلتَقط بعدسة، أو بعين إبداعية باردة، وإنما يصير متخيلا، يكون التراث دمه وبلاغته التي تقدم صورَهُ الكائنة والممكنة، إنه وسيلة لفهم الحاضر من خلال الماضي. وهذه العودة لاستثمار التراث كانت – بدرجة كبيرة– مؤطرة، ومقعداً لها. فهو اختيار لم يأت من فراغ، لأن له أسبابه الذاتية والموضوعية. فبرشيد كرائد احتفالي يؤمن بأن المسرح احتفال جماعي، ومن هنا فرجوعه إلى التراث يأتي باعتباره ذاكرة جمعية تلتقي فيها كل الذوات، وهي ذاكرة موصولة بالماضي، والتاريخ، والأرض، والإنسان. إنه «تذويت التراث» بمعنى جعله ذاتا ناطقة بعدسة مبدع خلاق. إن هذا الفهم الذي ينطلق منه برشيد في فهمه التراث حسب الباحثين يجعل هدف برشيد الرئيس هو استخلاص روح التراث وفلسفته التي تصلح لكل زمان ومكان، وتحتضن واقعنا الآني بمعان مغايرة وجديدة، بعيداً عن كل مرآوية سلبية ما دام المسرح فعلا جمعيا يتأسس على الإبداع الذي هو خلق على غير هيئة سابقة، وعلى هذا الأساس يتم انفتاحنا وتعاملنا مع التاريخ.
لقد جاء إطلاق هذا الكتاب اعتباراً للمُنجَز المسرحي والنقدي الذي راكمه عبد الكريم برشيد في مساره الطويل الذي قارب الأربعين سنة، وكذلك بناءً على ما وسم هذه التجربة من جدل واسع أسال الكثير من المداد حول هذا الاتجاه المسرحي المشاكس والمتمرد، وبناءً ـ مرة أخرى ـ على ما راكمته التجربة البرشيدية من كتابات إبداعية ونصوص جسدت عمق انشغالات الإنسان العربي في ظل سياقات اجتماعية وسياسية وفكرية مختلفة أفرزها الواقع العربي، وكيف تفاعل معها عبد الكريم برشيد، المبدع، وصاحب النظرية إبداعاً وتنظيراً. وكيف أسهم هذا التفاعل في تشييد مدرسة جمالية متفردة. يقول برشيد في كتابه «المؤذنون في مالطا»: «أعشق الاحتفالية، وأسعى – بكل جهدي ـ لكي تكون منظومة فكرية وجمالية، واضحة وصريحة وشاملة ومتكاملة، منظومة تقرأ الإنسان في كليته وشموليته، وفي تعدد آفاقه، وأبعاده ومستوياته، وتقرأ هذا الإنسان ليس من خلال ما يزعم ويدعي، ولكن من خلال ما يفعل، وما ينتج، وما يبدع، وما يعيش، وما يكون…».
هذه الجمالية اختار لها برشيد المسرح كقناة لتمريرها، وهذا الاختيار تجل لما يشكله المسرح كقناة تواصلية لها سلاستها الإبلاغية والتواصلية مع المتلقي. اختار المسرح وهو متيقن ـ على نحو ما يؤكد في آخر إصداراته «أنا الذي رأيت.. مسيرة أفكار ومسيرة وجود» ـ بأن المسرح «هو الوجود، أو هو الدنيا في كليتها وشموليتها، وخارج هذا المسرح الوجودي الكبير لا وجود إلا للخواء والفراغ المطلق».
وعبد الكريم برشيد في مشروعه هذا مبدع حالم بتغيير الواقع الذي لا يستجيب لتطلعاته وأحلامه، فالنظرية الاحتفالية تتعارض اليوم تعارضاً كاملاً مع الواقع، لأنها تختلف عنه ولا تشبهه، ولأنها تسبقه بمراحل كثيرة، ولعل هذا ما يبرر أن يعمل الاحتفاليون– نظريا وعمليا – من أجل تغيير هذا الواقع المتخلف حتى يصبح في مستوى تقدم وحقيقة وجمال وكمال ونبل وشفافية النظرية الاحتفالية، التي هي أساسا حلم في مستوى البشرية كلها، وفي مستوى العالم، وفي مستوى التاريخ، وفي مستوى الأبدية، كما يؤكد برشيد. ولذلك وجدناه يصدر مبحثاً من كتابه «أنا الذي رأيت» بقولة لألبرت إنشتاين تقول: «إذا تعارضت النظرية مع الواقــــع، فغيروا الواقع».
بحثا عن ذلك الواقع الآخر الذي يحلم به برشيد، وجند قلمه من أجل نسف نقيضه، الواقع المبتذل بكل تناقضاته وسلبياته وفضائعه، وهو ما توفق الباحثان نور الدين الخديري ونعيمة الحرشي في رصده بشكل كبير في هذا الإصدار الذي يعد بحق علامة بارزة في مسار النقد المواكب لحركية المسرح المغربي.

التراث كمادة معرفية لمواجهة الواقع الجديد
لقطات التشكيلي الأردني محمد موسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية