عمان ـ «القدس العربي» من محمد حنون: في معرضه الفوتوغرافي، «مونوسكيبس»، الذي افتتح مؤخرا في المركز الثقافي الملكي في العاصمة الأردنية عمان، يقوم الفنان التشكيلي الرقمي والمصور الأردني محمد موسى، بعرض 30 صورة، اتسمت بالتجريد الطبيعي، معتمدا على اللونين الأبيض والأسود، لإبراز الترادف المشهدي، من خلال تدرجات اللون الواحد، ومن خلال التفاوت والتكرار البصري في الإيقاعات الضوئية، وفي «المشاهد الفردية»، وهي الترجمة الأقرب لعنوان المعرض – مع التأكيد على معنى « الفردي/ مونو» هنا.. وهو استخدام اللونين الأبيض والأسود، بوصفهما لونا واحدا، يتدرج كل منهما ليبرز عمق الآخر في المشهد- وهو العنوان التقني الذي قام الفنان باستخدامه كمدخل للتعريف بماهية معرضه، وبأنه ليس معرضا للمناظر الطبيعية «لاندسكيبس» بتعريفها التقليدي، كما قد يبدو للوهلة الأولى، بقدر ما هو معرض لـ»الملاحة البصرية» في الطبيعة؛ بحثا عن التجريد الفوتوغرافي في المشهد من خلال الكتل المتجانسة واللون الواحد.
بدأ موسى مسيرته الفنية بالتشكيل الرقمي قبل التصوير الفوتوغرافي، ورسم البورتريهات بتقنية الكمبيوتر، حيث قدم في معرضه الفني الأول عام 2015، نماذج بمستوى عال في هذا الحقل، مطبقا برامج رقمية تمنح اللوحة، ملامح اللوحة الزيتية أو الأكريليك أو المائية، وحتى محاكاة ضربات فرشاة الألوان، وهو فن يتنامى يوما بعد يوم، مع التوضيح التعريفي له، كفن تشكيلي رقمي، وليس فنا تشكيليا بوصفه الكلاسيكي، ولكنه يتطلب مهارات فنية موازية للرسم المباشر على الورق أو الكانفاس.
من كبار الفنانين العرب الذين استخدموا هذه التقنية في الرسم، كان الفنان الفلسطيني الراحل إسماعيل شموط، إذ جرب هذه التقنية في آخر حياته، وقد راقت له نتاجاتها البصرية والفنية من جهة، وطاقاتها التعبيرية من جهة أخرى.
يقوم موسى في معرضه الشخصي الثاني، بتقديم نفسه كمصور فوتوغرافي هذه المرة، وقد فعل ذلك بجدارة، بعد أن قدم أعمالا فوتوغرافية في مسوى عال، عكس فيها فهما عميقا لأنماط وسلوك الضوء، وآليات تفاعله مع السطوح المختلفة. على الرغم من حداثة تجربة موسى الفوتوغرافية، إلا أنه أثبت أن عينه مدربة فنيا على التقاط خصوصية العلاقة ما بين التكوين والضوء، والأنساق البصرية في الطبيعة، التي تمنح المتلقي هامشا للانخراط في العمل؛ من خلال فضاء التأويل العقلاني أو العاطفي، حيث تنعكس الصورة في مرايا خيال المتلقي، فيراها في سياق رؤيته للعالم.
من الواضح تأثر محمد موسى بالعديد من الفنانين الفوتوغرافيين العالميين، الذين انتهجوا مدرسة الـ»مونوسكيبس» كقالب فني لتقديم المشهد. الفوتوغرافي الألماني نيك فرانك، من المصورين العالميين الذين مارسوا هذا النوع من التصوير الفوتوغرافي «مونوسكيبس»، معتمدين على اللون الواحد/ مونو، الذي يتشكل من تدرجات الضوء في الأبيض والأسود، وفي تصوير المشاهد/ سكيبس، ضمن بناء وزاوية معينين، لإثارة العديد من المفردات البصرية في المشهد، ومبرزين أحيانا التكرار البصري في المشهد، ليشكل تلك الإيقاعات الضوئية التي سبق وذكرتها، وهو الفوتوغرافي الذي قدم أعمالا بصرية لمشاهد أبنية المدينة الـ«سيتي سكيبس»، ولكنه قام بتصويرها بأسلوبية تجريدية فنية وتفصيلية مقربة، وباللون الواحد، الأبيض والأسود، بوصفهما لونا واحدا من خلال تدرجاتهما كما أسلفت، لتصبح أعماله من الأعمال المشهود لها في فن «المونوسكيبس»، ناهيك عن إبرازه تلك التكرارات في البناء، معطية الصورة إيقاعا فنيا معاصرا.
أما الفنان الأمريكي جون إنغراهام، الذي صور هذا النوع من الصور لمدة عشر سنوات – وهو برأيي أكثر من أثر على تجربة محمد موسى الفوتوغرافية – ثم توج إنغراهام تجربته بمعرض فوتوغرافي عام 2015، والمعنون كذلك بـ»مونوسكيبس»، استهل كتاب معرضه بمقطع لجلال الدين الرومي حين يقول «وما النور والظلمة إلا رقصة عشق أزلية»، وهو بهذا الاستهلال يفسر للمتلقي شكل العلاقة الفنية في تدرجات الأبيض/ النور والظلمة/ الأسود في الصور، وكانت صور إنغراهام من الطبيعة كذلك، وهو تماما ما قدمه موسى، من حيث المحتوى والعنوان.
قد يفهم البعض فكرة تصوير الـ»مونوسكيبس» على أنه تصوير المشاهد، سواء الطبيعة (لاندسكيبس) أو المدينة (سيتي سكيبس)، بالأبيض والأسود، فيعتبر بذلك أنه «مونوسكيبس» وهو أمر غير صحيح، وإلا لاعتبرنا الفوتوغرافي الأمريكي الأشهر لتصوير المناظر الطبيعية آنسل آدامز المصور الأول في فن الـ»مونوسكيبس» بلا منازع! ولكن «آدامز» لم يصور بالأبيض والأسود بشكل اختياري، أو لتوظيف الطاقة التعبيرية البصرية للأبيض والأسود، وإنما لمحدودية التقنيات الفوتوغرافية في وقته، التي كانت محصورة بالأبيض والأسود.
لذلك، يعتبر الـ»مونوسكيبس» فنا ذا شروط تجريدية ومفاهيمية، ولتقديم أنساق جمالية محمولة على الأبيض والأسود كاختيار فني بصري، وليس كشرط تقني، ويمكن القول في السياق ذاته، أن العديد من الفنانين المعاصرين الذين صوروا مناظر طبيعية بالأبيض والأسود اختياريا، لم يجعل ذلك من صورهم أن تُصنف كـ»مونوسكيبس» وأذكر منهم الفنان الفوتوغرافي الفلسطيني الأردني سامي نبيل، المقيم في بريطانيا، حيث أن أعماله الفوتوغرافية من روائع فن الفوتوغراف للمشاهد الطبيعية، التي ظلت كذلك حتى إن قام بتصويرها بالأبيض والأسود.
استطاع موسى أن يقدم تجريدا فوتوغرافيا صافيا في حقل الـ«مونوسكيبس»، من دون استخدام أدوات وتطبيقات رقمية، كما نراه في الوقت الحالي، عند الكثير من المشتغلين في التصوير الفوتوغرافي، الذين يغرقون صورهم بالمعالجات والفلاتر والتطبيقات الجمالية الرقمية، إلى أن تتحول إلى عمل غرافيكي، أبعد ما يكون فوتوغرافيا. وعلى الرغم من نجاح المصور محمد موسى بالانطلاق فوتوغرافيا بهذا المعرض الجميل، إلا أنه مطالب بتطوير هُويته الخاصة في المعارض المقبلة، وتوظيف مهاراته الفوتوغرافية للخروج بأسلوبية مستقلة، والتحرر من سطوة اكتمال تجارب الآخرين. لا ضير من التأثر بفنانين معينين ضمن مدارس فوتوغرافية معينة، ولكن من الضروري عدم إعادة إنتاج تجربتهم من حيث المحتوى والعنوان، حتى إن كانت النتائج جماليا وفنيا عالية المستوى.