اوباما يقفز الى عربة الخاسرين

حجم الخط
0

لتدخل باراك اوباما قبل سنتين في الحرب الاهلية في ليبيا، منح التعبير المميز ‘القيادة من الخلف’، أما لقراره ارسال مساعدة عسكرية الان للثوار في سورية فيمكن ان نلصق وصفا مشابها: القفز الى عربة الخاسرين.
فهذا هو الدافع المركزي الذي دفع اوباما الى تغيير الاتجاه، بعد سنتين من الرفض العنيد. ليست مؤامرة ظلماء لصرف الانتباه عن فضائح التجسس والتنصت، كما يزعم خصومه، ولكن ايضا ليس التزاما ساميا ‘بعمل ما هو صحيح’، على حد قول معجبيه. ‘الدليل’ الذي ظهر فجأة على استخدام الجيش السوري للسلاح الكيميائي جاء اساسا لمنح شرعية لهدف تكتيكي اصبح مهمة استراتيجية: منع انهيار منظومة الثوار.
التدخل الخارجي الفظ لروسيا، ايران، وبالاساس حزب الله والانجازات السورية التي جاءت في اعقابه، والتي كانت ذروتها احتلال مدينة القصير، غير المعادلة التي وجهت اوباما حتى الان فلاول مرة نشأ وضع يكون فيه عدم التدخل اكثر خطرا من استمرار ابقاء المسافة. فالحسم في صالح الاسد، في هذه الظروف، سيعتبر انتصارا حلوا لـ’محور الشر’ بقيادة روسيا، كهزيمة أليمة لحلفاء أمريكا، وعلى رأسها قطر، السعودية واسرائيل، وكضربة شديدة لمكانة الولايات المتحدة وكذا، وما العمل، للرئيس نفسه.
مشكلة اوباما هي أن قراره التحول من مراقب الى لاعب نشيط يغير قواعد اللعب ويزيد الخطر الذي يأخذه على نفسه. من الان فصاعدا، حين اصبحت الحرب ‘حربه’، فان هزيمة الثوار ستضاعف ضعفين وثلاثة اضعاف المس بالمصالح الامريكية. والقرار بالتزويد بالسلاح الاوتوماتيكي، الراجمات وقاذفات الـ’آر.بي.جي’ قد يكون خطوة صغيرة بالنسبة للثوار أنفسهم، ولكن يمكنه أن يصبح خطوة كبرى بالنسبة لاوباما في الطريق الى المكان الاخير الذي يريد ان يصل اليه مزيدا من التورط في الشرق الاوسط.
اذا كان صحيحا زعم الثوار ان المساعدة التي يتحدث عنها اوباما هي أقل مما ينبغي ومتأخرة أكثر مما ينبغي، إذ سرعان ما سيضطر الى زيادة تدخله كي يمنع ذات الهزيمة التي دفعته لان يغير نهجه منذ البداية. هذا هو المنحدر السلس الذي يقف امامه الان، الدائرة المغلقة التي علق فيها، الهوة التي يطل عليها، لا يزال من فوق.
هكذا تصبح سورية ساحة واضحة لحرب كلاسيكية خارجية، بين القوى العظمى، من النوع الذي ميز عهد الحرب الباردة من اليونان حتى افغانستان، وبينهما فيتنام، التي ذكراها السيئة تصدع في الوقت الامريكي حتى بعد أربعين سنة من انتهائها. فاوباما يتذكر جيدا ان التدخل الامريكي في الحرب اياها تحولت من مساعدة عسكرية ولوجستية الى ارسال مئات الاف الجنود الامريكيين، كنتيجة للفزع الذي ألم بواشنطن من امكانية انهيار النظام في سايغون والانتصار الدعائي الذي سيحققه الشيوعيون جراء ذلك.
‘هدفنا هو منع نجاح العدوان لا الاحتلال، لا الامبراطورية، لا القواعد الاجنبية، لا السيطرة’، قال الرئيس ليندون جونسون في 1966، مثلما يقسم مستشارو الرئيس اوباما اليوم بان هدفهم ليس حسم الحرب الاهلية في سورية، بل ‘توازن ساحة اللعب’، وجلب الطرفين الى طاولة المفاوضات في جنيف. فالنوايا السوية، كما هو معروف، ليست حاجزا في وجه بوابات الجحيم.
المفارقة هي أن الرأي العام الامريكي لم يضغط على الاطلاق على اوباما كي يغير سياسته. صحيح، السناتور جون ماكين يطالب بقصف ساحق منذ اشهر عديدة، والرئيس الاسبق بيل كلينتون طرح الاسبوع الماضي انتقادا تسلل عبر اسوار البيت الابيض أيضا. ولكن معظم الامريكيين، وكذا معظم الممثلين في الكونغرس، هذا لا يهمهم حقا.
ان قرار اوباما يغير ايضا الواقع التالي: قد لا يكون الامريكيون يريدون التورط في سورية، ولكن ما أن يدخلهم رئيسهم الى الساحة، حتى يطالبونه بالنصر. رغم أن التاريخ يقول لهم خلاف ذلك، فبالنسبة لمعظم الامريكيين، كما قيل في فيلم ‘ابولو 13’، الفشل ليس خيارا.

هآرتس 16/6/2013

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية